أعلن معنا... أعلن معنا...
دكتور فالح فرنسيس

أوراق طبية رياضية – اصابات الملاعب بين العقل والجسد!!

د. فالح فرنسيس

اصابات الملاعب بين العقل والجسد !!

استوقفني خبر غريب قرأته قبل ايام حول لاعب التنس الفرنسي تيرينس أتمان (المصنف 41 عالمياً)  في مباراته ضد مواطنه أوغو هومبيرت (المصنف 13 عالمياً) وذلك في بطولة مدريد المفتوحة. الخبر تضمن عنوان “أقوى ريمونتادا في بطولة مدريد 2026 (Mutua Madrid Open) .. مباراة ضد الألم والمستحيل”. (الريمونتادا: كلمة اسبانية بمعنى “العودة” او “الرجوع”)، وجاء فيه ما يلي:

في واحدة من أكثر مباريات بطولة مدريد إثارة ودرامية، تحول اللقاء بين تيرينس أتمان وأوغو هومبير إلى مشهد أقرب إلى اختبار قاسي للإرادة البشرية أكثر من كونه مباراة تنس عادية. لم يكن الفوز هنا مجرد نقاط أو تكتيك، بل كان صراعا بين الجسد الذي ينهار والعقل الذي يرفض الاستسلام.

منذ البداية، كان الإيقاع متقاربا بشكل كبير، وكانت كل نقطة تُنتزع بصعوبة من الطرفين. الأشواط تتقاسمها الندية، والضغط يزداد مع كل كرة حاسمة، حتى انتهت كلتا المجموعتين بفوز أتمان بعد شوطي كسر التعادل (Tiebreak) 7-6، 7-6، في دليل واضح على أن الفارق بينهما كان ضئيلاً.
لكن اللحظة التي قلبت كل شيء جاءت في المراحل الحاسمة من المباراة، حين بدأ أتمان يعاني بشكل واضح من تشنجات قوية. خطواته أصبحت ثقيلة، حركته محدودة، ثم بدأ الألم يسيطر حتى وصل إلى لحظة بدا فيها عاجزاً عن الوقوف بشكل طبيعي، قبل أن يسقط على أرضية الملعب وسط صدمة الجميع، بسبب الألم الشديد في الساق.
في تلك اللحظة، بدا كأن النهاية محسومة، وأن الجسد قال كلمته الأخيرة. لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفا تماما، إذ عاد أتمان ليكمل المباراة رغم الألم، وكأنه يتحدى حدود التحمل البشري. كل ضربة كانت تلعب بجهد مضاعف، ورغم المعاناة الشديدة، نجح في إنهاء المباراة لصالحه، في واحدة من أكثر الانتصارات قسوة وإلهاماً في البطولة.
مباراة ستبقى في ذاكرة مدريد، ليس فقط بسبب النتيجة، بل بسبب الصورة التي قدمها لاعب قاتل حتى آخر رمق، رغم أن كل شيء في جسده كان يقول توقف.

يقال ان الجسد قد يتوقف عن العمل لسببٍ من الاسباب ، الا ان العقل يستطيع الاستمرار بالعمل رغم ذلك، ويبدو ان هذا ما حصل في ذلك اليوم من بطولة مدريد المفتوحة بالتنس.

انتهى الخبر .. والآن دعونا نحلل ماحدث من الناحية البدنية والطبية والنفسية.

# بدنياً .. يبدو ان اللاعب تيرينس أتمان قد اصيب بتشنج عضلي شديد في عضلة سمانة الساق ، وذلك قبل نهاية المجموعة الثانية الحاسمة بعد ان فاز في المجموعة الاولى بصعوبة 7 – 6.

يُعرّف التشنج العضلي كونه تقلص عضلي لا إرادي غير فسلجي مفاجئ، اي انه لا يخضع للقوانين الوظيفية العصبية العضلية الطبيعية ويكون غير متحكم به من قبل الشخص او من قبل الدماغ. ويعتبر التشنج بمثابة خط دفاع أخير عن النفس للعضلة كي لا تصل الى مرحلة التمزق العضلي.

يعتبرالمجهود العالي الذي يتعدى امكانية العضلة على العمل خلال النشاط البدني، من اهم اسباب التشنج العضلي، وهذا السبب (الإجهاد) هو الذي ادى الى حدوث تلك الاصابة عند أتمان في المجموعة الثانية بعد السجال الطويل والمتكافئ مع خصمه القوي في تلك المباراة. وكان هذا التشنج بمثابة جرس الإنذار لأتمان كي يحافظ على عضلته المتشنجة من المضاعفات وينسحب من المباراة.

# طبياً .. من الناحية الطبية نعتبر أتمان قد غامر بصحته وبمستقبله الرياضي الى حدٍ ما عندما قرر الاستمرار باللعب متعدياً الألم الشديد الذي سببه له تشنج عضلة الساق بحيث كان غير قادر على الحركة تقريباً في فترات من المباراة، واضطر في احدى المرات الى الاستلقاء على الأرض ليعطي لنفسه ولعضلته المتشنجة قسطاً من الراحة. ولو انه اخذ رأي الاطباء المختصين في تلك اللحظة لكان قرارهم بالتوقف عن اللعب والانسحاب من المباراة كي لا يعرّض العضلة المتشنجة الى التمزق العضلي الذي قد يحتاج علاجه الى اشهر عديدة قد تمنعه من المشاركة في البطولات القادمة خلال الموسم الرياضي.

# نفسياً .. اعترف تيرينس أتمان في مقابلة صحفية بعد المباراة: “كانت الحالة اشبه بالذهاب الى الجحيم لكي أفوز هذا اليوم” .. “كان علي ان اقاتل الخصم، واقاتل بنفس الوقت تشنج عضلة ساقي. كنتُ في وضع صعب ولهذا فقد كان الفوز المباشر (2 – صفر) عظيماً بالنسبة لي لأني كنت مع ذلك الألم اريد فقط ان أعيش”. التمسك والمثابرة على الفوز كان بالنسبة لي مبدأ – حياة او موت – ولهذا كانت كل نقطة في كل شوط عبارة عن جزء من معركة ضد الألم. في ال25 ثانية قبل كل ضربة إرسال كان أتمان يتنفس ويأخذ رشفة من السوائل ويستغل كل الفترة التي يسمح بها قانون التنس، ليعطي بعض الراحة لجسمه وعضلاته. وقد يكون هذا سبباً في عدم تمزق عضلته المتشنجة !!

يعود ليقول: “كنت عندما ارمي الإرسال اشعر بأن عضلات جسمي كلها سوف تتشنج، لكني استمريت بالمقاومة، لتتبعها لحظات من التحسن .. وكان من الصعوبة علي ان أوازن بين الحالتين”. العجيب ان خصمه هومبيرت تقدم في الشوط الحاسم 4 – 2 واعتقد الجميع بأن أتمان قد انتهى، خاصةً وهو قد ارتمى على الارض من شدة الألم. جسدياً خُيّل له انه سيستسلم .. ولكن وبلحظات حاسمة، انتفضت نفسه من الداخل لتعلن الانتصار على الجسد والتغلب على الالم ليهاجم بشدة ويكسب النقاط الخمسة من الستة التالية ليحول الألم والتأخر الى تقدم وفوز.

“في داخل رأسي وفكري كنت لا اريد ان أبين اي شيئ سوى انهاء المباراة بأسرع وقت ممكن” هذا ما قاله أتمان .. “أوغو كان يلعب بجدية، لذا كان علي ان أقاتل واستمر بالقتال، وهذا بالضبط ما فعلت”. وهكذا اثبت أتمان في بطولة مدريد بان البطل لكي يفوز لا يحتاج الى ان يكون كاملاً بدنياً، بل لن يكون مستقراً نفسياً ومستعداً للمثابرة والقتال في سبيل نيل الفوز.

والآن ما رأيك عزيزي القارئ .. ما هو الأهم في الرياضة ؟ التدريب البدني ام التدريب النفسي ؟

وأنا اكتب هذا المقال تمنيت ان يقرأه اعضاء منتخبنا الوطني بكرة القدم الذي كسروا التوقعات المتشائمة واستطاعوا الوصول الى نهائيات كأس العالم للمرة الثانية، وذلك بهمتهم ومثابرتهم وبحبهم لمدربهم الأسترالي – “العراقي” آرنولد ولوطنهم العراق.. أقول لهم: في كرة القدم خاصةً وفي الرياضة عامةً، لا يوجد مكان لكلمة ((مستحيل)) .. بالتدريب الصحيح والمثابرة والقتال تستطيعون مقارعة الفرق الكبيرة في مجموعتكم الصعبة .. مع تمنياتنا لكم بالتوفيق الذي نأمل ان يرافقكم دائماً بإذن الله.  

د. فالح فرنسيس

طبيب اختصاصي بجراحة الكسور والاصابات الرياضية. نائب رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية وأمين عام اتحاد الطب الرياضي العراقي (سابقاً). الطبيب المرافق للمنتخبات العراقية بكرة القدم والالعاب الأخرى خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. كاتب في العديد من المجلات والصحف في ملبورن والعراق في مجالات علوم الطب الرياضي.
زر الذهاب إلى الأعلى