أعلن معنا... أعلن معنا...
دكتور فالح فرنسيس

أوراق طبية رياضية – متلازمة الصدمة الدماغية الثانية في الرياضة

د. فالح فرنسيس

متلازمة الصدمة الدماغية الثانية في الرياضة

تحدثنا في مقال سابق عن الصدمة الدماغية او الرجّة الدماغية (Concussion)، التي تحدث في العديد من الالعاب الرياضية وخاصةً في رياضات الملامسة كالملاكمة والفنون القتالية وهوكي الجليد وكرة القدم. وتدخل هذه الاصابة ضمن مجموعة اصابات الرأس، وتعرّف كونها حالة إرتجاج في الدماغ نتيجة ضربة مباشرة على الرأس او شدة غير مباشرة  تؤدي الى إهتزاز عنيف ومفاجئ للرأس والدماغ. وتتميز عادةً بصداع مع إضطراب في التركيز والتوازن والتوافق الحركي والذاكرة. وقد ترافق هذه الاعراض احياناً وليس دائماً حالة فقدان الوعي.

اليوم سوف نتحدث عن حالة اخرى مرتبطة بهذه الاصابة الرياضية، الا وهي متلازمة الصدمة الدماغية الثانية (Second Concussion Syndrome)، والتي تعني تكرار حدوث رجة دماغية ثانية قبل التعافي واختفاء اعراض الصدمة الدماغية الاولى التي اصابت ذلك الرياضي نفسه.

وتحدث عادة ً في حال عودة الرياضي الى الممارسة الرياضية قبل الشفاء التام، وهنا قد تكون اي شدة خارجية بسيطة سواء ًعلى الرأس او الصدر او الظهر كافية لتكرار ظهور اعراض رجة دماغية جديدة. وقد اثبتت الدراسات بأن حدوث الرجة الدماغية الاولى كاف لرفع نسبة احتمالية حدوث رجة ثانية الى 2 – 5.8 ضعف. كما ان الاشخاص الذين تتكرر عندهم الرجات الدماغية تكون الاعراض اكثر شدةً. هذا وبينت دراسة يوشيفومي ميزوبوشي التي نشرت عام 2016 في المجلة الكورية لإصابات الاعصاب بأن تكرار الرجات الدماغية تزيد من خطورة الهبوط الوظيفي والتركيبي الذي يسبب تلف الدماغ، وان تجمع تلف الخلايا الدماغية قد ينتهي بحالة التلف المزمن وضمور الخلايا غير الراجع (لا يمكن علاجه)، وبالتالي ظهور اضطرابات إدراكية ونفسية واعراض عضلية مثل الشلل الرعاشي (Parkinson Disease)، وهي الحالة التي انتهى اليها بطل العالم بالملاكمة للوزن الثقيل محمد علي كلاي قبل وفاته .

قد تكون الاعراض السريرية الناتجة عن متلازمة الصدمة الثانية من الشدة والسرعة بحيث قد تهدد حياة الرياضي وتستوجب العلاج الانعاشي في الملعب مباشرة ً من قبل الكوادر الطبية المتواجدة قبل ان ينقل الرياضي المصاب كحالة طارئة. قد لا يفقد الرياضي الوعي مباشرة ً لكنه بعد دقائق ينهار ويسقط فاقدا ً الوعي مع توقف حركة العينين وتوسع الحدقة والدخول في غيبوبة مع عجز تنفسي حاد مما قد يحتاج الى فتح المجاري التنفسية واجراء الانعاش القلبي (CPR)، الذي يعقبه تأكيد التشخيص بواسطة الاشعة المقطعية والتي تظهر ارتفاع الضغط داخل الدماغ، لذا فإن تكملة العلاج في المرحلة الثانية بعد انقاذ المصاب في المرحلة الاولى، تعتمد على الاجراءات اللازمة لخفض الضغط الدماغي وزيادة تدفق الدم ووصول الاوكسجين الى خلايا الدماغ بالسرعة الممكنة والتي تشمل زيادة التهوية وزيادة الادرار  وتقليل اعطاء السوائل والسيطرة على الضغط الدموي بالاضافة الى اعطاء الستيرويدات عند الحاجة. وفي احيان نادرة قد نحتاج الى الجراحة لرفع الضغط عن الدماغ .

هذا ومن الجدير بالذكر بأنه واعتمادا ً على سرعة اجراء الخطوات العلاجية اعلاه فان الرياضي قد

يبقى يعاني من بقايا بعض الاعراض كإمكانية الكلام الاعتيادي والحواس والنظر والسمع والشم

والتذوق، او العودة الى التواصل الاجتماعي والحياة الاعتيادية .

تؤكد البحوث العلمية النظرية والعملية على ان الخطورة التي تنتج عن الصدمة الدماغية الثانية او المتكررة تتضمن المضاعفات التالية:

  1. ان حدوث الصدمة الثانية يؤدي الى تورم الدماغ والذي قد يؤدي الى العوق او الوفاة احياناً.
  2. ان اعراض الصدمة الدماغية الثانية تكون أشد من اعراض الصدمة الاولى، هذا من جهة وتحتاج الى فترة اطول للشفاء من قرينتها الصدمة الاولى من جهة ثانية.
  3. ان تكرار الصدمات الدماغية ترفع من المضاعفات وعقابيل الصدمة، حيث قد تؤثر على المستوى المعرفي للرياضي بما يتضمنه من إمكانية الذاكرة وقابلية التركيز، بالاضافة الى تغيرات في المزاج مثل الشعور بالقلق والكآبة، كما يمكن توقع بعض حالات الامراض العقلية وتلف الخلايا العصبية في الدماغ.
  4.  استمرار اعراض الصدمة الدماغية كالصداع والدوار وعدم التوازن لفترات طويلة قد تصل الى أشهر او سنوات.

اما فيما يتعلق بالفترة اللازمة التي يجب على الرياضي الابتعاد عن الممارسة الرياضية بعد الصدمة الدماغية الأولى (الإرتجاج) كي يقي نفسه من مضاعفات الدخول الى الصدمة الثانية، فتعتمد على شدة الإصابة وعمر المصاب، ولكن التوصيات الحديثة تشير إلى ضرورة الراحة الأولية تليها عودة تدريجية. وإليكم فيما يلي أبرز فترات التوقف والتوصيات في هذا الموضوع:

  • الراحة الأولية (24-48 ساعة): يجب التوقف التام عن أي نشاط بدني أو ذهني مجهد (شاشات، قراءة) خلال الـ 24 إلى 48 ساعة الأولى.
  • العودة للرياضة (للبالغين): لا ينبغي العودة إلى ممارسة النشاط الرياضي الكامل قبل مرور 14 يومًا على الأقل، بشرط زوال كافة الأعراض.
  • العودة للرياضة (للأطفال والمراهقين): يُنصح بفترة توقف أطول، حيث يُوصى بـ 21 يوماً كحد أدنى قبل العودة للمنافسات الرياضية.

اما في حالة ما إذا استمرت الأعراض (صداع، دوخة، ضبابية ذهنية) لأكثر من أسبوعين، يجب تأجيل العودة للرياضة حتى زوالها تماماً.

وأخيراً .. نضع بين ايديكم اعزائي القراء وعلى الخصوص الاعزاء المدربين واللاعبين والإداريين والكوادر الطبية المرافقة للفرق والمنتخبات الرياضية العراقية، هذه التوصيات المتعلقة بمراحل تأهيل الرياضيين الذين تعرضوا او قد يتعرضون الى الصدمة الدماغية، وكل مرحلة لا تقل عن 24 ساعة:

# مرحلة الراحة التامة (أول 24-48 ساعة) # مرحلة النشاط الهوائي الخفيف (مشي، سباحة، دراجة ثابتة) # مرحلة تمارين رياضية عامة (جري، مهارات فردية) دون تلامس # مرحلة تدريبات خاصة باللعبة (تدريب كامل مع الفريق دون ملامسة) # مرحلة تدريب تلامسي (بعد الحصول على تصريح طبي تخصصي) # مرحلة العودة الى المنافسة في حالة عدم ظهور اية اعراض او علامات سلبية.

وفي حال ظهور أي أعراض مثل الصداع، الدوخة، أو الغثيان أثناء ممارسة التمارين خلال مراحل التأهيل اعلاه، يجب التوقف والعودة للمرحلة السابقة بعد 24 ساعة من الراحة على الأقل.

مع التأكيد دائماً على استشارة الطبيب المختص للحصول على خطة عودة شخصية لكل رياضي، فالعودة المبكرة قد تسبب “متلازمة الصدمة الثانية” الخطيرة.

د. فالح فرنسيس

طبيب اختصاصي بجراحة الكسور والاصابات الرياضية. نائب رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية وأمين عام اتحاد الطب الرياضي العراقي (سابقاً). الطبيب المرافق للمنتخبات العراقية بكرة القدم والالعاب الأخرى خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. كاتب في العديد من المجلات والصحف في ملبورن والعراق في مجالات علوم الطب الرياضي.
زر الذهاب إلى الأعلى