أعلن معنا... أعلن معنا...
دكتور فالح فرنسيس

أوراق طبية رياضية – التأهيل والمجتمع (تكملة)

د. فالح فرنسيس

التأهيل والمجتمع (تكملة)

تكلمنا في الاسبوع الماضي عن الخدمات الصحية والتأهيلية التي تقدمها وزارتا الصحة والشباب والرياضة، بالإضافة الى معاهد التربية البدنية وعلوم الرياضة، الى الرياضيين والمجتمع الأسترالي. اليوم سنكمل بحث المقارنة الذي بدأناه ونتكلم عن نفس تلك الخدمات، ولكن في مجتمع ودولة اخرى هي الصين الشعبية. يبلغ عدد سكان الصين مليار و39 مليون نسمة، وقد كانت الخدمات الصحية الى فترة التسعينات من القرن الماضي على المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية. منذ عام 2009 تحول النظام الصحي وخدماته على تغطية شركات التأمين والبرنامج الطبي الاساسي العام، والخدمات الصحية الاحتياطية. هذا ويخضع أكثر من 95% من المواطنين الى التأمين الصحي الإلزامي، ولا يوجد في الصين نظام تحويل المرضى من الاطباء العامين حيث يحق لأي مواطن المراجعة المباشرة الى المراكز الصحية او الاختصاصيين.

تختلف الصين عن استراليا بسرعة الزيادة في عدد السكان، وهذا يؤدي الى زيادة نسبة المواطنين الكبار في السن، حيث بين احصاء اجري عام 2020 بأن عدد المواطنين الذين تزيد اعمارهم عن 60 سنة بلغ 255 مليون نسمة (17.8 % من سكان الصين). اما اهم الحالات المرضية التي تؤدي الى الوفاة فهي امراض الجهاز القلبي الدماغي الوعائي (الجلطات الدماغية)، بالإضافة الى السرطانات الخبيثة وامراض الجهاز التنفسي المزمنة. استناداً الى ذلك فقد اصدرت الحكومة الصينية برنامج ” خطة حياة الصين الصحية في عام 2030″. وتتضمن هذه الخطة برنامج عام للياقة البدنية للمواطنين، وتم طبع ونشر دليل النشاطات واللياقة البدنية للمجاميع المختلفة للمواطنين، آخذين بنظر الاعتبار التأثيرات المناخية والطبيعية والفيزيائية. يتضمن البرنامج الدمج بين النشاط البدني والعلاجات الدوائية. ويعتمد البرنامج على التمارين المحسوبة علمياً لغرض تطوير اللياقة البدنية والصحة العامة، بالإضافة الى منع والوقاية من الامراض المزمنة والاعتماد على البرامج التأهيلية في العلاج. وتم على هذا الاساس وضع برامج تدريبية وتأهيلية الى الرجال والنساء حسب الامكانية البدنية ضمن المراحل العمرية المختلفة، ابتداءً من الاطفال الى الشباب وصولاً الى كبار السن، اضافةً الى برامج خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة حسب نوعية الإعاقة وتصنيفاتها. المشكلة الرئيسة في تطبيق هذه البرامج هي كبر حجم العينة التي تتعدى المليار نسمة مقابل عدم كفاية الكوادر العلمية المتخصصة في مجال التدريب والتأهيل.

من المهم ان نوضح هنا بأن خريجي كليات التربية والتربية الرياضية وكلية الطب، بالإضافة الى خريجي بعض الدورات الخاصة المتعلقة بالرياضة والنشاط البدني المجتمعي، وخريجي معاهد الدراسات العليا المتخصصة، يكونون مهيئين لوضع وتطبيق البرامج الصحية التأهيلية للأفراد او المجموعات من المواطنين الأصحاء او المصابين بالأمراض المزمنة او معاقي الحوادث. وقد طبقت هذه البرامج التأهيلية حسب تعليمات وزارة التربية الصينية منذ عام 2004. هذا وهناك كليات خاصة تمنح درجة البكالوريوس بعد دراسة لمدة اربعة سنوات، يتضمن المنهاج الدراسي فيها مواضيع في التربية البدنية ومعلومات أساسية في الطب والتأهيل البدني والعلاجي والخدمات الطبية المجتمعية العامة والوقاية من الاصابات. ومنذ وضع البرامج اعلاه في عام 2004 قامت الجهات العلمية في وزارة التربية بتطوير البرامج التأهيلية والعلاجية واستحداث برامج جديدة متطورة وخاصةً في السنوات الخمسة الاخيرة. وتفيد المعلومات المتوفرة بأنه في العام 2017 وصل عدد المعاهد التي تُخرج مثل هؤلاء المتخصصين الى 72 معهد وجامعة منها 15 معهد للتربية البدنية المتخصصة، و27 معهد طبي، و13 معهد لتخريج المدرسين، و17 جامعة متعددة التخصصات. هذا ويقدر عدد المتخصصين بالتأهيل الرياضي العلاجي الذين تحتاجهم الصين بأكثر من 350 ألف شخص، علماً بأن هؤلاء يعينون بعد تخرجهم ضمن ملاكات وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية التي تسمح لهم بالعمل مع المواطنين ضمن البرامج المعتمدة من قبل وزارة التربية، ووزارة الصحة، ووزارة الشباب، والرياضة.

ان هؤلاء المدربين المتخصصين لا يعملون في مجال الرياضة التنافسية او الرياضة المدرسية، بل فقط في مجال الرياضة المجتمعية، حيث تتحدد جهودهم في تنظيم وإدارة النشاطات الرياضية المجتمعية، وتطوير الممارسة الرياضية للمواطنين عبر المحاضرات والندوات التثقيفية، وتنفيذ البحوث الرياضية المجتمعية، وإدارة المنتديات الرياضية التجارية، بالإضافة الى العمل في مجال الادارة الوقائية والصحية العامة. ويعمل المدربون المتخصصون عادةً مع كبار السن والاطفال ومع المصابين بالأمراض المزمنة، بالإضافة الى المواطنين ذوي الاحتياجات الخاصة.

اما في المجال الرياضي فتؤمّن الصين المدربين الرياضيين (Athletic Trainers) منذ فترات طويلة، الا ان هذا التخصص قد تم تثبيته كتخصص معترف به منذ عام 2015 فقط، ويتضمن تخصصهم وعملهم مع الرياضيين الهواة والمحترفين في مجال الاسعافات الأولية والوقاية من الاصابات الرياضية والتأهيل الرياضي بعد المرض او الاصابة والاشراف العام على صحة الرياضيين خلال التدريب والبطولات والوطنية والدولية.

الخلاصة. تهتم الحكومة الصينية بوضع الخطط المتطورة لمشاركة عامة الشعب بالنشاطات البدنية والرياضية، وتنظيم الممارسة الرياضية التأهيلية حسب القواعد العلمية والاحترافية والعالمية. واستناداً الى ذلك يتمتع “اختصاصيو الرياضة المجتمعية” و “المدربون الرياضيون” باحترام المجتمع الصيني لما يقدموه من فائدة كبيرة للمواطنين. ومع ذلك فإن علاقتهم وتأثيرهم على ارتفاع مستوى الصحة العامة لازالت تخضع للمناقشة مع التخصصات الدقيقة الطبية والرياضية لغرض تطوير الفائدة المتأتية من عملهم التخصصي في المجتمع من الناحيتين النظرية والعملية. ومع كل هذه الخدمات المؤثرة والمفيدة للمجتمع، تبقى الوزارات المتخصصة ذات العلاقة مستمرة في اجراء البحوث العلمية النظرية والعملية، وتحليل الاحصائيات المتعلقة بالخدمات التي تقدمها البرامج التأهيلية والرياضية العلاجية، لغرض الوصول الى اقصى الطموح في تطوير الصحة العامة للمجتمع وبالتالي الى تطوير المستوى الرياضي الصيني عالمياً.

عزيزي القارئ. في حلقتي اليوم والاسبوع الماضي تكلمنا باختصار عن الرياضة والنشاط البدني للمجتمعات وكيفية تطويرها للوصول الى مجتمع صحي، وتطبيق المثل القديم “العقل السليم في الجسم السليم”.، حيث ان المجتمع الصحي لابد وان ينتج شباباً اصحاء يمكنهم تقديم الإنجاز عالي المستوى سواءً في الحياة العامة او في العمل او الرياضة، وبالتالي نستطيع ان نحول الاحلام بالتفوق الرياضي في المحافل الدولية والأولمبية الى حقيقة واقعة.  

د. فالح فرنسيس

طبيب اختصاصي بجراحة الكسور والاصابات الرياضية. نائب رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية وأمين عام اتحاد الطب الرياضي العراقي (سابقاً). الطبيب المرافق للمنتخبات العراقية بكرة القدم والالعاب الأخرى خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. كاتب في العديد من المجلات والصحف في ملبورن والعراق في مجالات علوم الطب الرياضي.
زر الذهاب إلى الأعلى