أوراق طبية رياضية – إضطرابات التغذية في الرياضة

د. فالح فرنسيس
إضطرابات التغذية في الرياضة
عندما نطرح موضوعاً يتعلق بالتغذية يتراوى للقارئ اننا سنتكلم عن السمنة وما يتبعها من البرامج الغذائية الخاصة وطرق تنزيل الوزن والعمليات الجراحية التي تؤدي الى التخلص من الوزن الزائد وغيرها. اليوم سنتكلم عن موضوع آخر يتعلق بالتغذية من منظار جديد وهو ما يتعلق بإضطرابات التغذية عامةً وعند الرياضيين خاصةً.
تتضمن إضطرابات التغذية او إضطرابات الأكل بصورة عامة الحالات التالية: تحدّد تناول الطعام، وتناول الطعام الاضطراري (ما يسمى بالأكل القهري)، وعادات الأكل المتغيرة. يعتبر التلاعب بنوعيات وكميات الطعام من اكثر مشاكل وإضطرابات التغذية للناس بصورة عامة وللرياضيين بصورة خاصة. وهناك حالات اخرى قد يمر بها المواطن العادي منها الصيام والإفراط في تناول الطعام.
في المجال الرياضي يمكننا ملاحظة العديد من اضطرابات الأكل، وخاصةً في رياضات المطاولة والرياضات المتعلقة بالأوزان مثل الملاكمة ورفع الاثقال والمصارعة، بالاضافة الى الرياضات الجمالية التي تعتمد على شكل الرياضي مثل الجمناستيك الفني والتزلج الفني والرقص على الجليد والرقص الاستعراضي في الماء للنساء. في هذه الرياضات يضطر الرياضي او الرياضية الى تحديد كميات ونوعيات الغذاء للمحافظة على الوزن وشكل الجسم، مما قد يؤدي بالتالي الى مضاعفات وحالات مرضية بدنية ونفسية، قد تؤثر في كثير من الاحيان على مستوى الأداء والإنجاز. هذا وتقع المسؤولية عل الكوادر التدريبية والطبية المشرفة على الفرق والمنتخبات التي تمارس هذه الرياضات باكتشاف هذه الاضطرابات مبكراً قبل ان تستفحل وتتطور وصولاً الى الحالة المرضية صعبة العلاج.
هذا ويبين الباحثون في هذا المجال بأنه قد يعتقد البعض بأن هذه المشاكل مقتصرة على الرياضيين الغربيين، لعلاقتها بالضغوط التي يفرضها المجتمع والثقافة الغربية على الافراد عامةً فيما يتعلق بالمحافظة على الشكل والقوام والاوزان المثالية، الا ان الحقيقة والواقع يؤكدان بأن هذه الاضطرابات تتميز بوجود اسباب عديدة ومختلفة تتعدى الاسباب المتعلقة بالمجتمع وثقافته. لهذا فقد وجدوا حالات مشابهة ليست بالقليلة في المجتمعات الشرقية وبالذات عند الرياضيين في تلك الدول والمجتمعات.
ومن اهم الحالات المرضية التي تدخل ضمن مجموعة اضطرابات التغذية هذه هي الحالة المسماة “فقدان الشهية العصبي” Anorexia Nervosa والتي تظهر اعراضها عند الفرد او الرياضي على شكل خوف من السمنة بالرغم من انهم تحت الوزن المطلوب حسب اطوالهم واعمارهم، بالاضافة الى عدم انتظام شكل الجسم ورفض او عدم امكانيتهم السيطرة على الوزن المثالي، واضطرابات الدورة الشهرية او انقطاعها عن الرياضيات، وبهذا يتحول اضطراب الأكل الى حالة مرضية بدنية نفسية.
اما الاضطراب الآخر والاكثر حدوثاً فهو ما يسمى بحالة “الشرَه المرضي العصبي” Bulimia Nervosa، والذي يتميز بنوبات من تناول كميات كبيرة من الطعام بشراهة وبسرعة كبيرة دون سيطرة من الشخص على كميات الطعام التي يتناولها، تعقبها فترة تعويضية من الامتناع عن الأكل او التقيؤ لإفراغ المعدة من الطعام المتناوَل.، مع شعور مستمر بالخوف من السمنة.
تؤكد البحوث الإحصائية بأن هذه الاضطرابات تحدث عن ممارسي الرياضة من الجنسين، ويكثر حدوثها كما وضحنا اعلاه في ثلاثة مجاميع من الرياضات والتي تتميز بوجود علاقة مباشرة بين الوزن والإنجاز. ففي المجموعة الأولى وهي مجموعة العاب المطاولة مثل عدو المسافات الطويلة، فانهم يعرفون بأن السبب هو فسلجي بحت، حيث ان زيادة كل كيلوغرام في وزن العداء تحتاج الى جهد اضافي على الجهاز القلبي الوعائي التنفسي مؤديةً الى خفض الإنجاز.
اما في المجموعة الثانية والمتضمنة العاب الأوزان مثل الملاكمة والمصارعة، فالرياضي هنا يعرف ان اية زيادة في الوزن قد تحرمه من المشاركة في المسابقة او البطولة ويخسرون بذلك حقهم في الاستمرار في الأولمبياد او في تلك البطولة القارية او الدولية. وهكذا فقد يحتاج الرياضي الى فقدان عدد من الكيلوغرامات وكمية من السوائل الجسمية في فترة قصيرة مما يؤثر سلباً على مستوى الإنجاز.
فيما نلاحظ ان المجموعة الثالثة وهي مجموعة رياضات الجمناستيك والقفز الى الماء والذين يدخل شكل الجسم ضمن التقييم العام والحصول على درجات اعلى، تضاف الى الدرجات الرئيسية المتأتية من التكنيك في تأدية الحركات المطلوبة، بالاضافة الى جمالية القوام ورشاقة الحركة، لهذا فهم مضطرين للحفاظ على وزنهم وقوامهم.
من كل ما تقدم نرى بأن مصادر الخطورة في التعامل مع حالات إضطرابات الأكل والتغذية تكمن في الضغوط الواقعة على الرياضي البطل والتي تجعله يعتقد بأن فقدان الوزن سيحسن الإنجاز في رياضات خطرة مثل الجمناستيك والرقص على الجليد. ومن جانب آخرفإن تكرار الضغوط التي يضعها المدربون على الرياضيين حول السيطرة على الوزن والمحافظة على القوام، قد تفعل فعلاً عكسياً بالتأثير على نفسية الرياضي وجعله اكثر حساسيةً وخوفاً من اية زيادة في الوزن حتى ولو كانت طفيفة. ويبقى العامل النفسي والتفكير والقلق وصعوبة تقدير الذات والوصول الى الكمال، نقاط مؤثرة مهمة على امكانية تفاقم الحالة، وبالتالي التأثير سلباً على مستوى الإنجاز.
لابد ان نشير هنا الى ان بعض الرياضيين المصابين بإضطرابات التغذية قد يحاولون إخفاء مرورهم بهذه الحالة، لذا على المدرب والطبيب ملاحظة ظهور علامات تغيرات الوزن غير المسببة عند الرياضي، مع شعوره بالتعب والإعياء في نهاية او بعد الوحدة التدريبية، مع ظهور علامات القلق والشد العصبي، حيث قد تكون بمثابة مؤشرات أولية على حالة الاضطراب.
واخيراً .. نقول بأن العلاج النفسي يلعب دوراً كبيراً في التخلص من حالة إضطرابات الأكل والتغذية، عن طريق التثقيف والتأكيد على الرياضيين والابطال على وجه الخصوص، بأن خفض الوزن بصورة غير طبيعية سوف يؤدي الى التأثير السلبي على الإنجاز وليس العكس، بعدها تأتي اهمية العمل المشترك والتعاون بين المدرب وطبيب الفريق والطبيب او المشرف النفسي مع اختصاصي التغذية على وضع برنامج بدني نفسي غذائي يهدف بنفس الوقت الى العلاج من هذه الحالة المرضية مع تطوير المستوى الفني لذلك الرياضي والوصول به الى اعلى إنجاز ممكن.



