أعلن معنا... أعلن معنا...
دكتور فالح فرنسيس

أوراق طبية رياضية – التأهيل والمجتمع

د. فالح فرنسيس

التأهيل والمجتمع

وقع بين يدي بحث أصيل يناقش اهمية البرامج الرياضية التأهيلية التي يمارسها الاشخاص في المجتمعات المختلفة، سواءً بصورة فردية او بتوجيه علمي ضمن الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين من قبل الكوادر الطبية في وزارة الصحة ووزارة الشباب والرياضة في هذا البلد او ذاك.

يتضمن البحث مقارنة للبرامج الرياضية التأهيلية والعلاجية بين مجتمعين مختلفين هما المجتمع الأسترالي والمجتمع الصيني، وهاتان الدولتان الآسيويتان مختلفتان  من حيث الانظمة السياسية من جهة، والتقاليد المجتعية والتراثية من جهة اخرى، الا انهما متشابهتان الى حدٍ ما من حيث الخدمات الصحية العامة والتطور الرياضي على المستوى القاري والدولي.

يبين البحث بأنه، حسب منظمة الصحة العالمية (WHO)، يأتي الخمول البدني او عدم الحركة كرابع سبب من اسباب الوفاة، ويلعب دوراً مهماً في زيادة نسبة انتشار الامراض غير المعدية وانخفاض مستوى الصحة العامة في المجتمعات. وهناك حقيقة مؤكدة بأن وجود مستوىً عالٍ من النشاط البدني عند الفرد بممارسة البرامج الرياضية والتأهيلية المنظمة ستؤدي بالتالي الى منع او تقليل الاصابة بالامراض المزمنة، هذا بالاضافة الى تحسين الصحة النفسية والمستوى البدني والصحي العام للفرد. ونحن نعلم بان هناك العديد من الدول المتحضرة التي وضعت معايير وبرامج خاصة الهدف منها وضع الأسس والارشادات الصحية والمتعلقة بممارسة مواطنيها للنشاطات البدنية لغرض تطوير مستوى اللياقة البدنية للأفراد من جهة، والسيطرة على الامراض المزمنة وعلاجها في حالة حدوثها بأسهل الطرق الممكنة. على هذا الاساس تظهر هنا اهمية وجود العدد الكافي والمؤهل من اختصاصيي العلاج الطبيعي والتأهيل واختصاصيي الفسلجة الرياضية واختصاصيي العناية الصحية العامة، لغرض تطبيق البرامج الموضوعة للمواطنين عامةً وللافراد خاصةً الاصحاء منهم والمرضى الذين يعانون من مختلف الامراض المزمنة.

لابد لنا هنا ان نبين بأنه بالرغم من ان معظم الافراد يتمكنون من تأدية البرامج التأهيلية بصورة فردية بالاطلاع عليها في النشرات المطبوعة او المنشورة على الانترنيت، الا ان هناك مجموعات كبيرة تحتاج الى التوجيه من قبل اختصاصيي التأهيل، ونخص بالذكر هنا: المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة والافراد الذين يحتاجون الى برامج تأهيلية علاجية خاصة ضمن علاجهم من الامراض المزمنة كأمراض القلب وارتفاع الضغط الدموي ومرض السكري واصابات العظام والمفاصل والعضلات وحوادث السير وبعد العمليات الجراحية المختلفة.

دعونا ندخل الى تفاصيل البحث ونبدأ بالخدمات التأهيلية والعلاجية في البرنامج الصحي الأسترالي:

يبلغ عدد سكان أستراليا 25 مليون نسمة يتمتع معظمهم بمستوىً عالٍ من برامج الخدمات الصحية، والتي تمول بجزء كبير منها من نظام الضرائب الحكومية، يساعده في ذلك برنامج الخدمات الصحية الخاصة عن طريق شركات التأمين الصحي الخاصة. هذا بالاضافة الى برامج صحية ممولة من قبل الدولة تشمل العسكريين المتقاعدين ومعوقي اصابات العمل والمصابين في حوادث السير.

هناك نوعان من المعالجين المؤهلين لتوجيه وتطبيق البرامج التأهيلية العامة والخاصة للمواطنين. النوع الاول هم الاختصاصيون المؤهلون من قبل مؤسسة “أستراليا لعلوم التدريب والرياضة” (ESSA) وهم اختصاصيو التدريب المخولون، وهم متخصصون ببرامج تطوير الصحة العامة واللياقة البدنية والبرامج الرياضية العلاجية للامراض المزمنة، وهم خريجو الكليات الطبية الرياضية المتخصصة وحائزون على شهادة البكالوريوس بالعلوم الطبية الرياضية (4 – 5 سنوانت دراسية). اما المجموعة الثانية فهم المعالجون الطبيعيون واختصاصيو التأهيل خريجو المعاهد الطبية المتخصصة والحائزون على شهادة الدبلوم او شهادة ممارسة، وهم مؤهلون لتطبيق تدريبات اللياقة البدنية العامة والخاصة ويعملون في قاعات اللياقة البدنية (الجيمات Gym Instructors) او مع الافراد او مجاميع اللياقة البدنية العامة. وهذه المجموعة قد تقدم الخدمات الصحية والاشراف على تنفيذ البرامج التأهيلية للمرضى والمصابين كأفراد او جماعات بالرغم من افتقارهم الى الخلفية النظرية المطلوبة لوضع مثل هذه البرامج.

ان هاتين المجموعتين تقدمان خدماتهما بإتجاهين رئيسين هما:

  • الماطنون الاعتياديون والمرضى المحتاجون للرعاية الصحية والبرامج التأهيلية وهم المصابون في حوادث العمل والسير، بالاضافة الى المصابين بالامراض المزمنة كالسكري وامراض الجهاز القلبي الوعائي وامراض الجهاز التفسي، وكذلك المرضى المحتاجين الى التأهيل الخاص بعد العمليات الجراحية. هذا مع العلم بأنه لا توجد لحد الآن في استراليا اية قوانين او تعليمات مثبتة تجبر المواطنين العاديين على ممارسة البرامج التأهيلية او البرامج الرياضية الترويحية العامة.
  • الرياضيون .. استطاعت أستراليا في السنوات الاخيرة استحداث تخصصات بعد الجامعية (Post Graduate Specialities) تؤهلهم للعمل مع الابطال الرياضيين في مجال التأهيل الرياضي وبرامج تطوير اللياقة البدنية نظرياً وعملياً. ان خدمات هذه المجموعة من الاختصاصيين في المجال الرياضي يتعدى برامج التدريب والتأهيل الاعتيادية، الى اجراء البحوث العلمية على الرياضيين الابطال ووضع الشروط والتعليمات الى الكوادر التدريبية الكفيلة بالوقاية من الاصابات الرياضية ومدى امكانية تطوير الإنجاز بأسرع فترة ممكن بدون ادخال الرياضي البطل الى مرحلة الإجهاد. هذا وتعمل معاهد وكليات التربية الرياضية، واكاديميات الرياضة في الولايات الاسترالية، بالاضافة الى الاندية الرياضية للمحترفين على تنفيذ الخطة العامة للتأهيل واللياقة البدنية التي تضعها مجموعة الاختصاصيين هذه. كل هذا سيساعد الرياضيين والفرق الرياضية على تطوير مستواهم وانجازاتهم الرياضية عن طريق المعرفة العلمية والمعلومات الفسلجية والبيوكيميائية وطرق تطوير الجهاز الحركي، بالاضافة الى طرق مراقبة وتحليل العمل الرياضي. ويعتبر خبراء التأهيل الرياضي هؤلاء مسؤولون عن تأهيل الرياضيين الابطال الأولمبيين والبارالمبيين (اصحاب الهمم) وبعض الرياضات الخاصة.  

علماً بأن الاتحاد الاسترالي للقوة والتكيّف (Australian Strength and Conditioning Association) يقوم بتنظيم دورات علمية موسمية نظرية وعملية للمدربين لغرض تزويدهم بالشهادات التي تؤهلهم للعمل كمدربين لللياقة البدنية والتأهيل مع الرياضيين الاستراليين.

# في حلقة الاسبوع القادم سنطلع على تكملة البحث المتعلقة بالخدمات الصحية التأهيلية في الصين.

د. فالح فرنسيس

طبيب اختصاصي بجراحة الكسور والاصابات الرياضية. نائب رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية وأمين عام اتحاد الطب الرياضي العراقي (سابقاً). الطبيب المرافق للمنتخبات العراقية بكرة القدم والالعاب الأخرى خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. كاتب في العديد من المجلات والصحف في ملبورن والعراق في مجالات علوم الطب الرياضي.
زر الذهاب إلى الأعلى