أوراق طبية رياضية – الإرهاق الذهني في الرياضة
د. فالح فرنسيس
الإرهاق الذهني في الرياضة
عودة الى علم النفس الرياضي، لنناقش موضوع مهم يتعلق بالإرهاق الذهني الذي يتعرض اليه الرياضيون وإمكانية التغلب على الصعوبات النفسية والفكرية التي تواجه الرياضي خلال المباريات والبطولات عن طريق الانتباه واليقظة والتركيز.
يختلف الارهاق الذهني Mental Fatigue عن الارهاق البدني (الفيزيائي) Physical Fatigue الا ان الاثنين ينتهيان بنتيجة واحدة، الا وهي انخفاض مستوى الإنجاز. حيث ان الارهاق الذهني يعتبر حالة نفسية بيولوجية تحدث نتيجة للجهد الفكري للشخص مؤدية الى ضعف التركيز والحافز، بالاضافة الى صعوبة اتخاذ القرار المناسب، وبالتالي سيؤثر سلباً على امكانية ذلك الشخص في تنفيذ المهمات البدنية المطلوبة. في الرياضية فان الارهاق الذهني سيضطر الرياضي الى بذل مجهود فيزيائي اعلى مما يستطيع بذله وهو في حالته الطبيعية، هذا الى ضعف سرعة رد الفعل عنده وبالتالي سيؤدي ذلك الى هبوط مستواه.
هناك اسباب عديدة للوصول بالرياضي الى حالة الإرهاق الذهني منها: التدريب العنيف والمركّز، السفر البعيد للمشاركة في البطولات، المصاعب الحياتية كالدراسة والضغوط النفسية والتفكير الزائد والتغيرات الحياتية المفاجئة والغير متوقعة وغيرها من الاسباب والمشاكل المجتمعية والشخصية والعائلية. هذا مع العلم بأن هذه الحالة يجب مراقبتها من قبل الكادر الطبي والتدريبي، والعمل على الوقاية منها اوعلاجها بالسرعة الممكنة عن طريق البرامج النفسية والفكرية العلاجية والاستشفائية.
تتلخص اعراض الارهاق الذهني عند الرياضي في مجموعتين رئيستين هما:
- الاعراض الذهنية: وتشمل ضعف التركيز، بطؤ ردود الافعال، ضعف امكانية اتخاذ القرار، وضعف مستوى الانتباه.
- الاعراض السلوكية: وتشمل الابتعاد عن الزملاء والانفراد والوحدانية، انخفاض مستوى التحفيز، ونوبات الغضب العصبية، بالاضافة الى تغيرات شكل الجسسم والاخطاء التقنية.
في احدى البحوث العلمية التي اجريت في هذا المجال توصل الباحثون الى ان الارهاق الذهني للرياضي سوف يؤدي الى تأثيرات سلبية تقنية (تكنيكية) وخططية (تكتيكية) وعصبية حركية وعضلية، بالاضافة الى التأثيرات النفسية البحتة، وهذه جميعها ستكون مؤثرة على الإنجاز.
بدنياً .. في الالعاب الفردية مثل الدراجات والساحة والميدان، اظهرت عينة من رياضيي الدراجات مرور الرياضي بحالة من التعب السريع وانخفاض في القوة والتوافق العصبي العضلي (الإيقاع الحركي). اما عند عدائي المسافات الطويلة (3000 و 5000 متر) فقد ازادت فترات الانجاز لقطع نفس المسافات مقابل قطع نفس المسافة بعد الراحة. وعلى هذا الاساس فقد استنتج البحث وجود تأثير سلبي للإرهاق الذهني على مؤشر المطاولة عند الرياضيين، اي على القابلية الآيروبية ( الهوائية) مقابل تأثير ضئيل على القابلية اللاهوائية. اما في عينة رياضيي الألعاب الجماعية فقد ظهر التأثير السلبي على القابلية التقنية الفردية (إداء بعض الحركات التي تتطلبها اللعبة). فعند لاعبي كرة القدم ضعفت دقة المناولات، اما في كرة السلة فقد قلّت نسبة التصويبات الناجحة نحو السلة، بينما ضفت امكانية اتخاذ القرار الصحيح والسريع وسرعة رد الفعل عند لاعبي الكرة الطائرة.
وبصورة عامة فان الارهاق الذهني يؤثر سلباً على الانجاز بثلاثة اتجاهات هي:
- اللياقة البدنية: حيث يظهر انخفاض في القوة والمطاولة، مع بطؤ في التنفيذ الحركي.
- ضعف اتخاذ القرار: حيث يظهر التردد على قرارات اللاعب في الحالات الحرجة.
- إرتفاع نسبة الاصابات: حيث ان ضعف التكنيك والتركيز يؤدي الى سهولة اصابة اللاعب.
والآن دعونا نفكر في كيفية الوصول الى التشخيص النهائي والصحيح في مرور الرياضي بحالة الارهاق الذهني .. سريرياً يعتمد الكادر الطبي على الاعراض التي ذكرناها في بداية هذا المقال، والتي تظهر على الرياضي وتصرفاته. علاوةً على ذلك فيمكننا الاعتماد على تصرفات الرياضي والمؤشرات السلوكية. هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان اللاعب نفسه يستطيع المساعدة في التشخيص عن طريق تثقيف اللاعب بمراقبة أدائه وتعريفه بان مصطلح التعب او الإرهاق (Fatigue) لا يعني فقط التعب البدني وانما قد يكون سببه التعب او الإرهاق الذهني ايضاً. هذا وفي حالة عدم الوصول الى التشخيص النهائي سريرياً، فيمكننا اللجوء الى ارسال اللاعب الى الفحوصات العصبية – الفسلجية باستخدام الاجهزة مثل فحص أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفي (Functional MRI) وفحص تخطيط الدماغ (EEG)، بالرغم من صعوبة اجراء هذين الفحصين وكلفتهما العالية.
هذا ولابد لنا هنا ان نؤكد على اهمية العمل المشترك بين الكادر الطبي والكادر التدريبي في الوصول الى تشخيص حالة الإرهاق الذهني عن طريق المعلومات الميدانية التي يهيؤها المدرب ومدرب اللياقة البدنية الى الطبيب فيما يتعلق بالجهد التدريبي وفترات الراحة ونوعية وفترات النوم، وخاصةً خلال المعسكرات التدريبية التي تسبق المنافسات والبطولات المهمة.
وصلنا الى العلاج والمداخلات المطلوب اتخاذها لإنقاذ الرياضي من حالة الإرهاق الذهني التي يمر بها. هناك مجال كبير للاجراءات العلاجية للسيطرة على الحالة وإعادة الرياضي الى مستواه البدني الحقيقي، ومن ضمنها تمارين الانتباه الذهنية، تمترين التنفس المنتظم، النوم والقيلولة الجيدين، بالاضافة الى تأمين التدريب على الحركات الرياضية الخاصة باللعبة واكتشاف الاخطاء وتصليحها. من المهم هنا ان يمارس الرياضي بعض النشاطات في المناطق الطبيعية المفتوحة كالجبال والغابات الخضراء وعلى شواطئ البحار والبحيرات. كذلك يُنصح بالابتعاد عن الاجواء الباردة والبقاء في المناطق الدافئة، حيث يساعد ذلك في عملية الاستشفاء واستعادة القابلية البدنية والذهنية. كما اثبتت الدراسات النظرية والعملية في هذا الموضوع بأهمية الغذاء وانواعه في مساعدة الرياضي بالتخلص من حالة الارهاق الذهني التي يمر بها، فتناول فنجان من القهوة على سبيل المثال قد يزيل جزءاً من الشد العصبي والارهاق الذهني، حيث ان مادة الكافَيين تعمل على تخفيف الشد وتبعث على الاسترخاء والشعور بالأمان. وينصح بعض اختصاصيي التغذية بتناول جرعات يومية من الكرياتين وهو نوع من المكملات الغذائية لمدة عشرة ايام الى اسبوعين، للتغلب على التأثير السلبي للإرهاق الذهني على الرياضي.
وأخيراً، فهناك عدد من المواد ذات الروائح المستعملة لزيادة حالة الاسترخاء والتخلص قدر الامكان من الشد العصبي والإرهاق الذهني، ندرج منها المنثول والليمون الاخضر والستريال الموجود في الزيوت النباتية ويعطي رائحة مشابهة لرائحة الليمون.




