أوراق طبية رياضية – الجهاز العصبي والرياضة
د. فالح فرنسيس
الجهاز العصبي والرياضة
عزيزي القارئ الكريم .. حلقة اليوم هي الحلقة الاخيرة في سلسلة اجهزة الجسم وعلاقتها بالرياضة، وموضوع اليوم سنخصصه الى علاقة الجهاز العصبي بالنشاط البدني والرياضي.
تشريحياً .. يتكون الجهاز العصبي للانسان من قسمين رئيسين هما: الجهاز العصبي المركزي والجهاز العصبي العطوف (السيمبثاوي).
يعمل الجهاز العصبي المركزي (الدماغ والحبل الشوكي والاعصاب المتفرعة منهما) على السيطرة على الحركة الإرادية والتوافق العضلي العصبي من ابسطها كالمشي والركض الى الحركات الرياضية الصعبة والمعقدة كحركات لاعب الجمناستيك. اما الجهاز العصبي العطوف فيشتمل على الجهاز العصبي السيمبثاوي المسؤول عن أعمال ونشاط الاجهزة الداخلية كالقلب وجريان الدم في الاوعية الدموية وتحضير الطاقة اللازمة للنشاط الرياضي، والجهاز العصبي الباراسيمبثاوي فهو المسيطر على النشاط خلال فترة الاستشفاء واستعادة القلب والتنفس وخزين الطاقة الى المستوى الاعتيادي في وقت الراحة، ويساعد الجسم والانسجة على الترميم والاستشفاء.
اما في الرياضة .. فيقوم الجهاز العصبي المركزي علاوةً على ما تقدم بثلاثة مهمات رئيسة هي:
- المرونة العصبية: ونقصد بها قابلية الرياضيين وخاصةً ذوي المستويات العلياعلى تنشيط عمل الدماغ للسيطرة على الجهاز العضلي الإرادي لتنفيذ اصعب الحركات الممكنة بأقل جهد ممكن.
- التأقلم على التدريب: ان التدريب البدني وخاصةً تدريبات البليومتري وتدريبات المقاومة ترتبط عادةً بإمكانية التأقلم العصبي، والذي يؤدي بالتالي الى ارتفاع مستوى قوة العضلات والوصول الى اعلى إنجاز ممكن بدون الحاجة الى زيادة الكتلة العضلية.
- ارتفاع مستوى الانجاز: من المعروف بأن الجهاز العصبي المستقر يؤدي الى الحصول على رد فعل أسرع ومستوى اعلى للتوافق الحركي وإمكانية عضلية أقوى، وبالتالي إنجاز أحسن.
وفي نفس الوقت فإن التوازن بين عمل الجهاز العصبي السمبثاوي من جهة، والذي يسيطر كما بينا اعلاه على النشاط الفعلي للاجهزة خلال النشاط الرياضي، والجهاز العصبي الباراسيمبثاوي الذي يسيطر على عمل الاجهزة خلال فترة الاستشفاء، يعتبر مهم لإنجاز النشاط البدني او اي نشاط رياضي بكفاءة عالية وبأقل جهد ممكن.
وهنا علينا ان لا ننسى اهمية الذكاء الفكري والاستقرار النفسي للرياضي والذي لولاه لما تمكن الابطال الرياضيون الوصول الى تلك الانجازات والارقام القياسية العالمية الإعجازية، حيث يشمل هذا الجانب ثلاثة خطوط عريضة ورئيسة هي:
# الإعتقاد والثقة بالنفس: حيث ان إيمان الرياضي بمقدرته على الفوز او تحقيق إنجاز معين، وثقته بنفسه وبقوته وإمكانيته على الوصول الى القمة تلعب دوراً إيجابياً كبيراً في النجاح والوصول الإنجاز المطلوب. والعكس صحيح، فمهما ارتفعت الامكانية البدنية للرياضي فإن ضعف الاستقرار النفسي عنده سيقوده في النهاية الى الفشل.
# الإستجابة للتوتر: من المعلوم ان الجهاز العصبي وبالذات الدماغ، يقع تحت الضغط والشد النفسي خلال فترة المباريات عن طريق محور الاجهزة المؤثرة هرمونياً على الجهاز العصبي (تحت المهاد والغدة التخامية والغدة فوق الكلية)، والذي يؤدي بالتالي الى إفرازات هرمونات مختلفة مثل الكورتيزول والأدرينالين والهرمونات المؤثرة الاخرى.
# اليقظة والتركيز: تلعب تمارين التركيز التي يحتاجها الرياضي البطل، مثل تمارين التنفس العميق والاسترخاء، تلعب دوراً مهماً في السيطرة على التوتر وتنظيم عمل الجهاز العصبي، وتسمح بذلك للرياضي بالتركيز للخروج من الأزمات والحالات الصعبة عن طريق اتخاذ القرار الصحيح والاسهل.
من كل ما تقدم، ولكي نتكلم بالمنطق التدريبي فلابد لنا من خلال البرنامج التدريبي وضع وحدات خاصة بتطوير التوافق العصبي العضلي باستعمال تدريبات البليومتري وتمارين المرونة والتوازن والقدرة على التكيف والتي تصب جميعها في رفع مستوى الانجاز. كما ان تمارين التكنيك للحركات التي تتطلبها اللعبة الرياضية ستكون ايضاً بمثابة تدريب للجهاز العصبي والحركي بنفس الوقت. هذا كما علينا ان لا ننسى اهمية الاستشفاء بعد الوحدات التدريبية، عن طريق فترات الراحة والنوم وتمارين الاستشفاء كتمارين إطالة العضلات بعد التدريب والمباريات، والتي تبرز اهميتها في استشفاء العضلات الارادية وحمايتها من الاصابة او الوصول الى مرحلة الإجهاد.
من جهة اخرى فان التدريب البدني والممارسة الرياضية تؤثر بصورة إيجابية على الجهاز العصبي من خلال تحسين الوظائف الإدراكية، حيث ان زيادة تدفق الدم والاوكسجين الى الدماغ سيحسن التركيز والذاكرة، علاوةً على تأثيره الايجابي على الصحة النفسية حيث تزيد الرياضة من إفراز النواقل العصبية مثل الدوبامين والسيروتونين مؤديةً الى تحسين المزاج وتقليل القلق والإكتئاب وتحسين جودة النوم. هذا علماً بأن البحوث العلمية قد اثبتت بأن الرياضة والتمارين المنتظمة تساعد على نمو خلايا عصبية جديدة في منطقة الدماغ تساعد في تطوير الذاكرة والامكانية على التعلم. واخيراً فان الرياضة تعزز من قدرة الدماغ والجهاز العصبي العطوف على الشفاء والتكيف، وخاصة في حالات الاصابات ومرحلة الاستشفاء التي تعقبها.
هذا وقد تبين في بحث ميداني اجري على مجموعة من الرياضيين الذين يمارسون التمارين الهوائية بصورة منتظمة (مثل الجري والركض والمشي السريع والسباحة وركوب الدراجات الهوائية) استطاعوا تسجيل نتائج أفضل من غيرهم في الاختبارات العصبية والنفسية التي تقيس جودة وظائف معرفية محددة مثل التحكم الانتباهي والتحكم التثبيطي والمرونة المعرفية وأهلية الذاكرة العاملة والذاكرة الصريحة والذاكرة المكانية وسرعة معالجة المعلومات.
الخلاصة .. من كل ما تقدم نلاحظ بأن الجهاز العصبي هو القائد المسيطر على جميع فعاليات الجسم الحياتية والرياضية، وهذا ما يجعلنا نصل الى حقيقة مهمة هي ان عمل الجهاز الحركي وجميع الاجهزة الداخلية لجسم الرياضي تقع تحت سيطرة الدماغ والجهاز العصبي، فهو يلعب دوراً رئيساً في الحركات التوافقية المتناغمة وزيادة سرعة رد الفعل، بالاضافة الى كونه يرفع مستوى الإنجاز من خلال تحسين القابلية على التأقلم العصبي العضلي.هذا الى ان التدريب يطور قابلية الجهاز العصبي المركزي لتشغيل العضلات وتحسين التوافق الحركي، في الوقت الذي يقوم الجهاز العصبي العطوف بتنظيم وتطوير الوظائف غير الإرادية من خلال السيطرة على عمل القلب وتردده وتردد التنفس، بالاضافة الى التوازن بين الجهازين العصبيين السيمبثاوي المسؤول عن تنفيذ الاجهزة لوظائفها والوصول الى الإنجاز القصوي، والجهاز الباراسيمبثاوي المسؤول عن عمل الاجهزة في مرحلة الاستشفاء. في نفس الوقت فإن التركيز والثقة بالنفس تلعبان دوراً مهماً ومؤثراً في عمل الجهاز العصبي نفسه مع تأثيره المباشر على العمل العضلي والانجاز النهائي للرياضي البطل.

