أوراق طبية رياضية – الكبد وأهميته في الرياضة

د. فالح فرنسيس
الكبد .. وأهميته في الرياضة
يصنف الكبد ضمن الغدد الموجودة في جسم الإنسان، وبالتالي يعد أكبر غدة حجماً. في الرياضة فإن الكبد يعتبر ذو صلة مباشرة بالعديد من العمليات البيوكيميائية والتمثيل الغذائي وإنتاج الطاقة، ولهذا فهو من الناحية الفسلجية يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالنشاط البدني والإنجاز الرياضي. وسنرى لاحقاً بأنه يرتبط إضافةً الى ذلك بالإصابات الرياضية ونسبة حدوثها. وبنفس الوقت يعتبر الكبد مكون مهم في غذاء الرياضي وخاصةً في رياضات المطاولة ورياضة المستويات العليا عامةً.
يعتبر الكبد بمثابة مصنع وبنفس الوقت مخزن للعديد من المواد الغذائية والفيتامينات والمعادن والاملاح التي يتناولها الانسان في غذائه. وكمثال لأهمية الكبد في النشاط الحياتي والرياضي، تبين المصادر العلمية بأن خمول الشخص في النصف ساعة الاولى بعد الاستيقاظ من النوم هي بسبب ان العمليات البيوكيميائية التي تجري في الكبد تحتاج الى 25 – 35 دقيقة للوصول الى السرعة التي تلبي بها احتياج النشاط البدني والفكري للشخص. لذلك لا يُنصح بممارسة اي مجهود بدني او رياضي شديد مباشرةً بعد الاستيقاظ من النوم صباحاً. لابد لنا بدايةً ان ندرج لك عزيزي القارئ اهم وظائف الكبد، وهي:
- إنتاج العصارة الصفراء: وهي العصارة الضرورية لعملية الهضم وخاصةً هضم وتكسير الدهون وامتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون مثل فيتامين D, K, A علاوةً على التخلص من الفضلات والمواد الزائدة عن حاجة الجسم مثل الكوليسترول والبيليروبين (المادة الصفراء)، كما تلعب دوراً في الحفاظ على درجة الحموضة والقلوية في الامعاء.
- تخثر الدم: يلعب الكبد دوراً مهماً في امتصاص فيتامين K الذي يدخل مباشرةً في تكوين الخثرة الي تغلق الاوعية الدموية عن تضررها وإيقاف النزيف بالسرعة الممكنة.
- تمثيل البيليروبين: وهو عبارة عن صبغة صفراء تنتج عن تكسر خلايا الدم الحمراء القديمة، ويقوم الكبد بتنقيتها واخراجها من الجسم عبر العصارة الصفراء. ويعتبر ارتفاع نسبة البيليروبين في الدم مؤشراً على وجود مشكلة في الكبد، مثل إلتهاب الكبد او تليف الكبد، مما قد يسبب اصفرار الجلد والعينين، المعروف باليرقان (أبو صفار). تجدر الإشارة إلى أن الحديد الذي يتم إنتاجه من تحليل الهيموغلوبين يتم تخزينه في الكبد أو نخاع العظم من أجل استخدامه لاحقًا في تكوين كريات الدم الحمراء.
- تمثيل الدهون والكربوهيدرات: بالاضافة الى دور الكبد في تحليل واستقلاب الدهون وتسهيل عملية الهضم، فانه يعمل على تخزين الكربوهيدرات، ومن ثم يتم تحليلها الى گلوكوز (سكريات بسيطة) كي تتسلل الى مجرى الدم من اجل الحفاظ على مستواه في الجسم.
- تخزين المعادن والفيتامينات: وأهمها فيتامين أ، د، ه، ك، ب12، والحديد والنحاس.
- الوظائف الاخرى: وهي عديدة منها تمثيل البروتينات وإنتاج بروتين الألبومين وتصفية الدم وتنقيته وتعزيز عمل الجهاز المناعي، كما يساهم في تصنيع هرمون الأنجيوتنسينوجين الذي يتحكم بمستوى الضغط الدموي عند هبوطه، وذلك عن طريق تضييق الاوعية الدموية.
من كل ما تقدم نرى ان هناك علاقة مباشرة بين صحة الكبد وانسجته وعمله من جهة، وبين مستوى النشاط البدني للفرد ومستوى الإنجاز الرياضي من جهة اخرى. حيث ان الكبد كما لاحظنا، يدير عمليات التمثيل الغذائي وتحرير الطاقة المطلوبة للعمل العضلي، كما يسيطر ويساعد في استمرار عمليات تخليص جسم الرياضي من الفضلات والسموم المتولدة من العمل العضلي، بالاضافة الى تكوين البروتينات والإنزيمات الضرورية للنشاط البدني. وهنا لابد ان نذكّر مرةً ثانية بأن المجهود العضلي عالي الشدة سيؤثر سلباً على وظيفة وعمل الكبد نفسه، كمل ان اي حالة مرضية حادة تصيب الكبد سوف تؤثر على الكفاءة الوظيفية لخلايا وانسجة الكبد، وبالتالي ستؤثر سلباً على إنجاز ذلك الرياضي المصاب. اما في الحالات المرضية المزمنة للكبد فإنها بالتأكيد ستظهر حالة التعب وانخفاض مستوى تحرير الطاقة، مؤديةً في الآخر الى انخفاض مستوى الرياضي وضعف الإنجاز. من جانبٍ آخر فإن التدريب الرياضي المنتظم قد اثبت فعاليته في تقليل الاضرار او الامراض التي قد تصيب الكبد ورفع مستوى التمثيل الغذائي واعطاء أنسجة الجسم وخاصةً الانسجة العضلية مستوىً وظيفي عالٍ وإنجاز بدني مميّز. من جانبٍ آخر فقد وجد الخبراء بأن الغذاء الذي يحتوي على الكبد يعتبر من الأغذية عالية البروتينات والمواد المفيدة للنمو وشفاء العضلات المصابة وتحسين اللياقة البدنية بصورة عامة.
يتبقى لنا في هذه العجالة المختصرة ان نتكلم عن الاصابات التي قد يتعرض لها الكبد في رياضات الملامسة العنيفة كالركبي وكرة القدم والفنون القتالية وغيرها. ان موقع الكبد في الزاوية اليمنى العليا من البطن تحت الحجاب الحاجز والقفص الصدري يجعله عرضة للكدمات وللاصابات المباشرة. ويتبع ذلك الشعور مباشرةً بعد الضربة بالألم في المنطقة وقد ينتشر صعوداً الى الكتف، وعلى الشعور بالغثيان والتقيؤ. فسلجياً وعصبياً فإن الضرب المباشر على الكبد سوف يؤدي الى تحفيز العصب التائه وهو العصب الرئيسي للجهاز العصبي المركزي الغير سيمبثاوي مؤدياً الى ما يسمى ب”رد الفعل العصبي الوعائي”، مؤدياً الى تباطؤ سرعة دقات القلب والهبوط المفاجئ للضغط الدموي للرياضي، وهذا بالتالي سيؤدي الى إنخفاض كمية الدم الواصلة الى الدماغ وفقدان الوعي او الى الشلل في بعض الاحيان. وفي العاب الفنون القتالية تعتبر مثل هذه الحالات بالضربة القاضية ((Knockout / TKOs والتي تستوجب إنهاء النزال بسبب الألم الشديد والتغيرات الفسلجية الداخلية للقلب والدماغ.
اما اهم الامراض التي قد تصيب الكبد وتؤثر على النشاط الحياتي او الرياضي للفرد فهي:
الإلتهابات الحادة للكبد واهمها التهاب الكبد الفيروسي نوع B و C والذي يتوجب فيه عزل الرياضي حيث يعتبر من الالتهابات المعدية، بالاضافة الى اخضاعه الى فترة من الراحة مع علاج وتغذية خاصة، وهذا ما سيحرمه من الاستمرار بالتدريب والمشاركة في البطولات او المباريات، هذا علاوةً عن الاعراض المتضمنة الشعور بالتعب وارتفاع درجة الحرارة والغثيان والتقيؤ واليرقان وآلام البطن. وهنا تبرز اهمية تواجد وإشراف الكادر الطبي حيث ان بداية الاصابة بالالتهاب تكون عديمة او قليلة الاعراض. ومن الصعوبة اكتشافها سواءً من قبل اللاعبين او المدربين.
اما الامراض المزمنة التي قد تصيب الكبد وتؤثر سلباً على كفاءته الوظيفية وعلى اللياقة البدنية للرياضي فتشمل، التليفات (ندبة الكبد) التي تعتبر من مضاعفات الالتهابات التي تأخر تشخيصها وعلاجها. كذلك ما يسمى بالكبد المتشحم المرتبط بالسمنة، بالاضافة الى التأثير السيئ لتناول الكحول على خلايا وانسجة الكبد والتي قد تنتهي بحالة “تشمع الكبد” التي تؤدي الى توقف كلي لعمل الكبد، ويكون العلاج بعمليات زراعة الكبد لإنقاذ المريض من الوفاة الحتمية.




