أعلن معنا... أعلن معنا...
مقالاتمقالات ودراسات نقدية و بحوث

عجز الفكر السياسي الكوردي في قراءة المستقبل:

وهم المكاسب السريعة وخسارة الكورد والعراق معاً

لم يكن العراق يوماً دولة فدرالية بالمعنى الدستوري الحقيقي، بل بقيت الفدرالية فيه حبراً على ورق، جرى اختزالها عملياً عبر نظام المحاصصة الذي صادر الدولة، وعطّل المؤسسات، وحوّل الشراكة المفترضة إلى تقاسم نفوذ، حيث لم تُبنَ علاقة صحية بين المركز والإقليم، بل سلسلة من الصفقات المؤقتة التي كرّست عدم الاستقرار بدل معالجته….

الخطاب الكوردي الرسمي يتعامل مع العراق وكأنه ساحة تفاوض منفصلة عن معاناة شعبه، لا دولة يعيش فيها ملايين العراقيين تحت الفقر، وانعدام الخدمات، وانسداد الأفق السياسي، فالمعيار لا يعود: من ينقذ العراق؟ بل ، من يضمن تنفيذ المطالب الكوردية؟ حتى لو كان الثمن مزيداً من التنكيل، والقمع، والانهيار الذي يدفعه العراقيون جميعاً…

الأدهى من ذلك أن القوى الكوردية تدرك جيداً طبيعة الأحزاب الإسلامية المتحكمة بالإطار التنسيقي، وتعرف – من تجارب قريبة ومؤلمة – أن هذه القوى تنقلب على تفاهماتها فور تثبيت السلطة، وأن الاتفاقات معها غالباً ما تكون مؤقتة، انتقائية، وقابلة للنقض عند أول أزمة، كما حصل مراراً في ملفات الميزانية، النفط، المناطق المتنازع عليها ورواتب الإقليم….

ومع ذلك، يُعاد إنتاج السياسة ذاتها: تسويات قصيرة النظر، قائمة على ضمانات هشّة، وشخصيات جدلية، دون أي اعتبار لنتائجها على مستقبل الدولة أو على العلاقة بين المكونات نفسها، وكأن الدروس السابقة لم تكن كافية، أو كأن منطق “تحصيل المكاسب الآن” يتقدّم دائماً على حساب الشراكة الحقيقية وبناء دولة مستقرة….

على القوى الكوردية أن تدرك، دون مواربة أو حسابات آنية، أن الكورد لا يعيشون في فراغ سياسي معزول عن العراق، وأن استقرار إقليم كوردستان العراق لا يمكن أن يُبنى على الصفقات، ولا على الرهان على قوى مأزومة في بغداد، بل لا يأتي ولا يستمر إلا ضمن نظام ديمقراطي فدرالي عراقي موحَّد، تُحترم فيه الدستور، والمؤسسات، وإرادة المواطنين….

إن كل التجارب أثبتت أن أي استقرار كوردي يُبنى خارج هذا الإطار هو استقرار هشّ ومؤقت، سرعان ما ينهار مع أول أزمة سياسية أو مالية، أما التعاطي مع العراق بمنطق “تحصيل المكاسب” أو اختزال العلاقة مع الدولة بمنصب أو حصة سيادية، فلن ينتج إلا مزيداً من العزلة، وفقدان الثقة، وتعميق الصدامات…

إن الإصرار على تكريس فكرة أن رئاسة الجمهورية “حصة كردية”، كما رئاسة الوزراء “حصة شيعية”، هو تقويض مباشر للفدرالية نفسها، لأن الفدرالية لا تعني تقاسم الدولة، بل توحيدها على أساس الحقوق، والواجبات، والمساءلة، ومن دون دولة ديمقراطية فدرالية موحّدة، لن يكون هناك استقرار دائم لا للكورد ولا لغيرهم، بل إعادة إنتاج مستمرة للأزمة ذاتها بأسماء مختلفة…

كامل زومايا

كامل زومايا

كامل زومايا هو ناشط في مجال حقوق الأنسان والأقليات و رئيس منظمة أوتو لحقوق الانسان في العراق.
زر الذهاب إلى الأعلى