حين يُعاقب الحلم – قراءة في كتاب 3660: مذكرات شاب كوردستاني آشوري في المعتقلات العراقية، تأليف برهم علي

حين يُعاقب الحلم – قراءة في كتاب 3660: مذكرات شاب كوردستاني آشوري في المعتقلات العراقية، تأليف برهم علي
حين أمسكتُ بكتاب “مذكرات شاب كوردستاني آشوري في المعتقلات العراقية”، كما دوّنه المؤلف برهم علي، لم أكن أتوقع أن أجد نفسي غارقًا إلى هذا الحد في وجع إنساني نقي، ينبض بكرامة إنسانية وصبر لا يُقهر. لم يكن كتابًا بالمعنى المألوف، بل صرخة من الأعماق، شهادة مكتوبة بالندم والصبر والأمل.
كان “شيرزاد” فتى في السابعة عشرة، كأي شاب يحلم بمستقبل مشرق وحبٍ بسيط، فإذا به يُساق إلى المعتقلات، ويُحاكم على حُلم.
لقد أحب القائد البارزاني، تأثر بالبيشمركة، وتحلّق مع رفاقه في المدرسة حول فكر الحرية، فتسلل الحلم إلى قلبه، وذهبوا جميعًا إلى الجبل. وهناك، لم يحملوا السلاح، لم يتورطوا في القتال، بل طُلب منهم العودة لصغر سنهم. مكثوا عشرة أيام وعادوا.
لكن النظام البعثي لم يكن يُعاقب على الأفعال فحسب، بل على النيات أيضًا.
أحد عناصر البيشمركة، يُدعى لطيف، سلّم نفسه للسلطات، ووشى بهم. لم تشفع له براءة أعمارهم ولا قصر فترة مكوثهم.
فجاءت لحظة المواجهة مع أجهزة الأمن، وفي مشهد إنساني عميق، وقف شيرزاد وقال بشجاعة:
“أنا شيرزاد.”
رغم أن الضابط لم يتعرّف عليه في البداية، لكنه لم يرحمه بعد أن أعلن اسمه. الضرب، الإهانات، صراخ الأم، بكاء الأخوات… مشهد الذي لا يُنسى.
شيرزاد لم يكن مقاتلًا، لكنه دُفع دفعًا إلى معركة لا يريدها.
المفارقة أن جريمته الوحيدة كانت الحلم.
وفي خضم هذه المذكرات، تمرّ إشارة عابرة في الصفحة 82، تقول إن:
“الاتحاد الوطني الكوردستاني دخل السليمانية كقيادة وكوادر ومسلحين، وقد شهدت العلاقة بينهم وبين الحكومة فترة من الهدوء والسلم تحت مسمى التفاوض.”
هنا، لا أستطيع أن أبقى صامتًا.
أنا كنت نصيرًا في الحزب الشيوعي العراقي، وأعرف تمامًا أن هذا “الهدوء” لم يكن براءة، بل غطاء لتحييد قوى المعارضة الأخرى. دخول (أوك) للمدينة، وتفاهمهم المرحلي مع النظام، قَلّص فعليًا من مساحة عمل القوى الثورية، بل وخلق بيئة خانقة للوطنيين الحقيقيين.
ولعل أبشع نتائج ذلك “الهدوء”، كانت مجزرة بشتآشان، التي وقعت في الأول من أيار 1983، حين تم قتل أسرى من الحزب الشيوعي العراقي على يد قوات الاتحاد الوطني الكردستاني.
جريمة لا يمكن تبريرها، ولا تسقط بالتقادم.
بل هي، كما أراها، عربون دموي قُدم للنظام البعثي في وقت كانت فيه المعارضة بأشد الحاجة للتضامن لا للخيانة.
في هذا السياق، تصبح مأساة شيرزاد ليست مجرد قصة فتى اعتُقل ظلمًا، بل جزء من سردية أكبر، تُظهر كيف تم سحق الحلم، وكيف تقاطع الظلم الفردي مع الغدر السياسي.
هل نلوم شيرزاد لأنه حَلم؟
وهل نستطيع نسيان أولئك الذين خانوا الرفقة، وقدّموا أبناء الجبال قرابين لأسياد بغداد؟
إن مذكرات شيرزاد ليست مجرد وثيقة عن التعذيب، بل مرآة لصمت التواطؤ، وانكسار الأمل، وفتى لم يكن ليُزج به في السجون، لو أن هذا العالم عرف شيئًا من العدالة.
صفعة على وجه الضمير”
لم يكن يوم 28 تموز 1985 مجرد تاريخ اعتقال، بل كان يوماً انشقت فيه الأرض عن وجه آخر للقسوة، وسقط فيه الضمير صريعًا أمام جبروت السلطة.
يقول شيرزاد في مذكراته (ص 96):
“قبل أن تنطلق السيارات بقوتها المدججة بالسلاح، اقترب رجلٌ معمرٌ ذو لحية بيضاء، اقترب من السيارة ونظر إليّ وسأل ضابط الأمن: «إلى أين تأخذون هذا الصبي؟» خلال لحظات هاجم المسلحون من كل حدب الرجل المعمر وأشبعوه ركلًا وصفعًا حتى انهارت قواه وسقط على الأرض فاقد الوعي.”
لم يكن الرجل يسأل فقط، بل كان يحتج على صمت المدينة.
كان آخر من قال لا، حين خرس الجميع.
في تلك اللحظة، لم يسقط شيخٌ فقط، بل سقط ما تبقى من حياء في عيون الجنود.
ويتابع شيرزاد:
“ذلك اليوم لم يبدأ فقط بالاعتقال، بل بدأ بصفعة على وجه الضمير…”
هكذا دخل دائرة أمن “طوارئ جوارباخ”، وهناك، كما يروي، “استمر التعذيب بأنواعه، ولم يحصلوا على أي اعترافات”
لقد كانت لحظة سقوط الشيخ إعلانًا صامتًا بأن القمع لا يخشى سلاحًا، بل يخشى سؤالًا بسيطًا من شيخٍ أعزل.
________________________________________
في مشهد لا يقل قسوةً عن التعذيب، يُعرض “الاعتراف” علنًا، وكأن الحقيقة لا تُبنى بالأدلة، بل تُفبرك بكلمة من خائن.
في ص. 125 من المذكرات، يقف العميل لطيف إلى جانب ضابط الأمن، يشير إليه الملازم قائلاً:
“حيّ أصدقاءك يا لطيف.”
فيرد بكل خسة:
“سيدي، هل يُعقل أنهما سيقولان لك صراحة إنهما يعملان في تنظيمات الحزب الديمقراطي الكوردستاني؟ كنا معًا في صفوف البيشمركة.”
هكذا، دون تحقيق، دون أدلة، دون محكمة عادلة، صار هذا الاعتراف الحي كافيًا لتقرير مصيرَين:
• شيرزاد يُحكم عليه بخمسة عشر عامًا.
• وصديقه سالار يستشهد تحت التعذيب.
في تلك اللحظة، لم تكن الخيانة فقط ما قتل سالار، بل النظام الذي جعل من “لطيف” شاهدًا موثوقًا، ومن الكذب أدلة إدانة.
الأنظمة الشمولية لا تحتاج إلى قضاة، يكفيها عميلٌ يعرف كيف يلوِّن الحقيقة بما يناسب سادته.
وهكذا، كما يقول شيرزاد، “لم يكن التحقيق هو ما يحدد المصير، بل الكيد والخيانة.”
________________________________________
الذاكرة بين الصمت والواجب
في كل قراءة لهذه المذكرات، كنت أمرّ على صفحات بعينها وأرغب في تجاوزها.
ليست لأنها ضعيفة، بل لأنها قوية جدًا… مؤلمة جدًا.
لكن الضمير لا يسمح بالصمت، حين يكون الصمت خيانة أخرى للضحايا.
كيف يمكن أن نعبر بصمت عن صفحة مثل ص 140، حيث يُروى أن الشقيقين آسو وآزاد تعرضا لتعذيبٍ وحشي؟
وصل الحال بـآسو، أن يفقد وعيه من شدّة الضرب،
وحين جاء الطبيب – الذي يُفترض أن يكون رحيمًا – لم يُقدم علاجًا، بل نصح بعدم إعطائه الماء، لأن جسمه الممزق لن يتحمله وسيموت بنزيف باطني.
أي نظامٍ هذا الذي يجعل من “الطبيب” رسول موت،
ومن العطش أداة قتل بطيئة،
ومن البول، كما ورد في المذكرات، “السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة”؟
أن يُجبر إنسان على شرب البول، ليس فقط تعذيبًا جسديًا، بل سحقًا للكرامة في أقذر صورها.
وهذا لم يكن استثناءً، بل سياسة ممنهجة لصنع “اللا-إنسان”.
الحديث عن هذه الصفحات ليس ترفًا أدبيًا،
بل هو مسؤولية تاريخية:
أن نفضح سجل جرائم حزب البعث،
لا لأننا نبحث عن الانتقام،
بل لأننا نبحث عن ذاكرةٍ لا تنسى، وعن وطنٍ لا يعيد الكارثة
بعد يومين من الصمت الثقيل، من العطش، من شرب البول، من الألم غير المحتمل،
نُقل آسو إلى المستشفى.
لكنّه لم يكن “نقلًا لإنقاذه”، بل مجرد عبور أخير قبل إعلان النهاية.
فارق آسو الحياة (ص 145)
رحل بعد أن فرّغت السلطة كل ما تملكه من أدوات القهر على جسده النحيل.
لم تكن وفاته قدرًا، بل جريمة مكتملة الأركان، جريمة قتل بطيء بالصمت والتعذيب والحرمان من الماء.
آسو، هذا الاسم الذي قد لا يعرفه أحد خارج جدران السجن، صار رمزًا لجيلٍ طحنته الأجهزة الأمنية، فقط لأنه حمل حلمًا أو رفض الانبطاح.
لم يمت فقط من الضرب، بل من صمت العالم، من غياب العدالة، من خيانة من يفترض أنهم “أطباء”.
لقد مات كثيرون في سجون البعث، لكن ما يجب ألا يموت،
هو ذاك الصوت فينا الذي يقول: لا تُسامَ الخيانة، ولا تُغتفر الأنظمة التي قتلت أبناءها بلا ذنب.
دائرة أمن السليمانية
هنا تختلف الأساليب، فليست المسألة فقط تعذيبًا جسديًا، بل إجبار المعتقل على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها. يروي شيرزاد:
“على السجين أن يجلس أمام الكاميرا، ويقرأ ما كُتب على الورقة بالكامل، أي أن يقر ويعترف بأنه ارتكب الذنب. قالوا لي: ‘ابدأ بالقراءة’. توقفت وقلت: ‘أنا لم أفعل أي شيء مضر، وهذه لن تكون إفادتي'” (ص 165).
أنقل لكم هذه الصورة لا بوصفها ذكرى فقط، بل كصرخة: بمعنى أن يُحكم الإنسان على نفسه بالإعدام. هذا هو أسلوب الانحدار الأخلاقي في أجهزة الأنظمة الشمولية. هنا لا يكفي أن تعاني، بل عليك أن تشارك في تمثيل مشهد القضاء عليك.
في مثل هذا الواقع، يصبح تحمّل التعذيب أهون من الاعتراف الزائف، لأن ذلك الاعتراف هو تدمير نهائي للكرامة والذات.
ليلة العيد ومقتل أسو قومريؤ
في ليلة العيد، انتشر خبر مقتل أسو قومري، أحد أبرز أعوان النظام البعثي في السليمانية، المعروف بولائه الشديد للأجهزة القمعية. كان يعتقل يوميًا العشرات من الشبان خلال تجواله في الأسواق، ما جعله رمزًا للخوف والكراهية.
بمقتله، سادت أجواء الفرح بين المعتقلين في سجن الأمن، فقد رأوا فيه سقوط جلاد طالما نشر الرعب في المدينة.
لكن خلف هذه الفرحة، كان شيرزاد يشعر بحزنٍ عميق على رفيقه سالار، الذي استُشهد تحت التعذيب دون أن يعترف بأي شيء. قاوم الألم بصمت، واختار الكرامة حتى لحظة استشهاده.
معتقل الفضيلية
السجين يكرم السجناء
كان سجن الفضيلية مختلفًا عمّا رآه السجناء سابقًا في “طوارئ جوارباخ” وأمن السليمانية. من أولى الإشارات التي بعثت بعض الطمأنينة في نفوسهم، وجود أفراد من الشرطة الاعتيادية بدلًا من رجال الأمن والشرطة السرية، ما جعلهم يبدون كأنهم “ملائكة” مقارنةً بملامح الرعب والعدوانية التي اعتادوها.
بعد دخولهم الزنزانة بوقت قصير، فوجئ السجناء بـ درزينة من سكائر السومر تتساقط عليهم من البشّاك قرب السقف، ما أشاع فرحًا عارمًا بينهم، وكأنها هدية من السماء. غير أن أحدًا لم يكن يملك عود كبريت لإشعال سيجارة، فصرخ علي سور: “شخاطة… شخاطة!”، وبعد دقائق سقطت عليهم ثلاث علب كبريت من الشباك.
وبعد أيام، تفاجأ الجميع بوليمة كبيرة: أربع صوانٍ مملوءة باللحم المقلي والمثروم، والخضروات والطماطم، دون أن يعرفوا من أرسلها. في اليوم التالي، جاء سجين من جناح آخر، تأملهم طويلًا وقال: “هؤلاء أطفال… إنهم صبية!”. بعد خروجه، أخبرهم الشرطي الطيب “فليح” بأن ذلك الرجل من أعيان المنطقة، ميسور الحال، وهو معتقل منذ زمن طويل، وقد ابتاع لكم هذه الوجبة من ماله الخاص.
الطبيب ينتحر
حين تصل النفس البشرية إلى قاع الاكتئاب، يصبح كل شيء ممكنًا، حتى الموت.
كان اعتقاله، مع أخيه، دون تهمة مباشرة، سوى أن شقيقهم الثالث هرب إلى إيران. لم يُستجوبوا، لم يُحاكموا، فقط سُجنوا… ثلاث سنوات من الصمت والعزلة.
كان ذلك كافيًا ليدمّر الروح.
وفي لحظة يأس قاتلة، قرر أن يضع حدًا لعذابه. ابتلع خمس شفرات حلاقة (موس)، مزّقت أحشاءه من الداخل، وفاضت روحه في صمتٍ يشبه صمت السجن.
هكذا رحل الطبيب… لا بمرض، بل بألمٍ لا يُرى في الأشعة، ولا يُعالَج بالمضادات.
محكمة عواد البندر: قسوة العدالة في زمن القمع
قراراته المجحفة بحق المتهمين وهم داخل قفص الاتهام، وخصوصًا من السجناء السياسيين، لا مثيل لها في أي محكمة في العالم. كانت محكمة القاضي عواد البندر عنوانًا للظلم، لا للعدالة.
يقول شيرزاد في شهادته:
“الموقف الشجاع لأولئك الفتيات منحني المزيد من القوة، وجعلني أكثر إصرارًا على البوح بما في قلبي من دون تردد أو وجل.”
بعد لحظات، اقتاد الجلادون الفتيات الثلاث المحكومات بالإعدام إلى خارج القاعة. بقيتُ وحيدًا داخل القفص.
أنهى القاضي أسئلته، فتقدّم المحامي ليتحدث:
“حضرة القاضي المحترم، هذا المتهم كان يعمل ضمن تنظيمات الحزب الديمقراطي الكردستاني، وشارك في أعمال إرهابية داخل مدينة السليمانية. ومع ذلك، أطلب من محكمتكم الموقرة النظر إليه بعين العطف وإصدار حكم مخفف بحقه، لكونه صغير السن، وقد ارتكب خطأه في غفلة من عمره.”
لكن ما قاله المحامي لم يكن طلبًا للتخفيف، بل إدانة مغلّفة بالشفقة الكاذبة. بدا كمن تولّى دور الادعاء العام، لا الدفاع. وهكذا ظهر محامي “السلطة” في أبشع صوره: شريكًا في تسليط سيف الديكتاتورية على رقاب الأبرياء، في محكمة لم يكن فيها للعدل مكان.
هذه ليست محكمة، بل مشهد من مأساة بلد غارق في الاستبداد.
(صفحات 217–221
قرار
“حكمت المحكمة حضوريا على المتهم شيرزاد فرمان ياقو بتاريخ(1985-12-17) وفق المادة (157) من قانون العقوبات، بتهمة تخريب الشمال مادة(1) بالسجن لمدة (15) عاما، لأنه التحق بصفوف مخربين في خالة الحرب مع العدو”
شهادة العمر المسروق
يقول شيرزاد، بصوت هادئ تختنق فيه الكلمات:
“عمري 17، وعندما أخرج أكون قد بلغت 32… ماذا سأكون قد رأيت من شبابي؟ تحت ظل هذا الحكم الاستبدادي؟”
لم تكن تلك مجرد كلمات، بل صرخة مبحوحة من قلب طفل لم يكتمل نموه، حُكم عليه بأن يمضي أجمل سنوات عمره خلف القضبان.
خمسة عشر عامًا من الحبس…
ليست مجرد أيام تُعد، بل أعمار تتآكل، وأحلام تذبل، وصباحات لا تشرق أبدًا.
أن تكون في السابعة عشرة، وتُدان لأنك حلمت بحياة مختلفة، لأنك آمنت بشيء لم يُرضِ الطغاة، فهذا يعني أنك ولدت في زمن معطوب. زمن لا يكافئ الصدق، بل يعاقبه، ولا يحمي البراءة، بل يطمسها.
كان سؤال شيرزاد بسيطًا في ظاهره، لكنه مرّ كالسيف في قلوب من سمعوه:
سجن أبو غريب
بعد صدور الحكم بحق المتهمين من السجناء، يتم نقلهم إلى سجن أبو غريب، ومن بينهم كان شيرزاد. يصف شيرزاد هذا السجن بأنه كان عند الجميع رمزًا للاعتقال والعذاب، بل كابوسًا مرعبًا يتجاوز مجرد كونه سجناً، فهو بحجمه وتعقيده أقرب إلى بلدة مكتظة ومغلقة، ويتكون من خمسة أقسام رئيسية:
• قسم الأحكام الخاصة
• قسم الأحكام الثقيلة
• قسم الأحكام الخفيفة
• قسم إطلاق السراح
• قسم إطلاق سراح الأجانب
زُج بشيرزاد في قسم الأحكام الخاصة، وهو القسم الذي يضم السجناء السياسيين من مختلف الاتجاهات الفكرية، دون تمييز. لم تمضِ ساعات على دخوله حتى انهال عليه ضابط الخفر بالركلات دون مقدمات أو سبب، قبل أن يأمر بنقله إلى “غرفة الاستقبال” – تلك الغرفة التي غالبًا ما تكون مقدمة لسلسلة من الإهانات الجسدية والنفسية.
في تلك الغرفة، التقى شيرزاد بمجموعة من السجناء، وكان من بينهم من أثار انتباهه بشدة: السجين نشأة فرج سموعي، الذي كانت قصته تقترب من حبكة أفلام الأكشن. كما يروي نشأة فرج في لقائه مع الكاتب رياض مثنى” يا للأسف لم أكن على حذر هي التي اوقعتني في هذا المأزق اذ ذهبت الى السفارة للاستفسار عن امر يخصنا كطلبة. ما ان دخلت حتى تم وضع القيود في معصميّ. وادخالي الى غرفة لحين وصول سيارة أدخلوني بها وطبعا هذا تم بمساعدة رجل المخابرات اليوغسلافي (برانكو) والذي كانت تربطه علاقة متينة مع رجل المخابرات الاول في السفارة العراقية و يدعى(ابو سحر) و كان هذا الشخص احد افراد حمايات صدام ويقال الان يعيش في سوريا و كل ذلك حصل في حزيران عام 1980 وتم نقلي بشكل مباشر الى زوم الطائرة. يعني الملفت للنظر ان السيارة لم تمر باي نقطة تفتيش والادهى من ذلك اجراءات السفر تمت بطريقة مريبة لم يشاهدني أحد او حتى ينظروا الى جوازي فمباشرة الى الطائرة حتى لا زلت اذكر ما قاله احد المرافقين و( بنشوة النصر) ثلاث او أربع ساعات وستكون في بغداد و ينتهي وضعك وينتهي عالمك. بعد ذلك التقاني فاضل البراك وقال لي كلمته التي لا زالت ترن في اذني (لم نقتلك، ولكنك ستتمنى الموت كل يوم)” “صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، غير أنه أُفرج عنه في عام 2000 بعفو عام، بعد أن أمضى عشرين عامًا في سجون النظام الفاشي.”((نشرت في موقع الحوار المتمدن))
كانون الثاني – عيد الجيش العراقي
في هذا اليوم، وبهذه المناسبة، فُتح باب المواجهة أمام الزائرين لزيارة ذويهم المحكومين في سجن أبو غريب.
كان الحدث بحد ذاته استثنائيًا، أشبه بوميض إنساني وسط ظلام الزنازين. يقول شيرزاد:
“منذ الصباح، كنت أشعر أن شيئًا ما سيحدث، شعور لا يشبه غيره. ارتديت ملابسي الجديدة، تلك التي كنت أحتفظ بها للمناسبات النادرة، ووقفت بين السجناء أراقب الزوار وهم يتقاطرون نحو البوابة، أحدّق في الوجوه، أبحث عن ملامح أعرفها… عن وجهٍ افتقدته طويلاً.”
“وفجأة… وسط الزحام، لمحته. كان أخي الأكبر، قيس. للحظة، توقفت أنفاسي، وكأن الزمن تجمد. لا يمكن وصف تلك اللحظة بالكلمات. هرعت نحوه، عانقته كما لم أعانق أحدًا من قبل. كان العناق يحمل سنوات من الفراق، والدموع التي انهمرت منا لم تكن فقط دموع فرح، بل دموع قهر، واشتياق، وحنين مكبوت.”
“ثم جاءت أمي، تلك التي غاب دفء حضنها عني منذ أن اقتادتني الأقدار إلى هذا المصير. رأيت وجهها وقد نحت الحزن فيه أخاديد من ألم، ومع ذلك، ابتسمت لي بعينين دامعتين. عانقتها، ثم أبي، وبقية إخوتي… الأصدقاء. بكيت كما لم أبكِ من قبل. كان السجن لا يرحم، لكنه في ذلك اليوم، فتح ثغرة في جدرانه لنشم منها هواء الحياة.”
“كان يومًا استثنائيًا. ليس لأنه عيد الجيش، بل لأنه كان عيدًا للقلوب التي أُنهِكت من طول الغياب. عيدًا لكل السجناء الذين شعروا، ولو لساعات، أنهم بشر، لهم أهل، وذاكرة، ومكان في هذا العالم.”
________________________________________
________________________________________
عفو المناسبات… لا يشمل الجميع
في مناسبة عيد ميلاد الرئيس صدام حسين، صدر عفو خاص عن بعض السجناء في سجن أبو غريب. لم يكن عفوًا عامًا، بل انتقائيًا، محدودًا، يحمل بصمة سياسية أكثر من كونه لمسة إنسانية. شمل هذا العفو مجموعة صغيرة، كان من بينهم: حمة مام علي، دانا، زانا، إسحاق الآشوري، وعدد من أعضاء الحركة الآشورية.
كان العفو بالنسبة للبعض نافذة ضوء، وللباقين صفعة تذكير بأنهم ما زالوا في قاع النسيان. لم يُخفِ السجناء المرارة التي شعروا بها، فذلك “العيد” لم يكن عيدًا لهم، بل مجرّد عرض سياسي يُجمّل وجه السلطة أمام العالم، ويزيد من وجع من لم يشملهم القرار.
في يوم آخر، طُلب من السجناء التبرع بالدم. قِسم منهم وافق، لا عن طيبة خاطر، بل تحت وطأة الخوف أو الإذلال أو الرغبة بكأس عصير برتقال كان كل ما يُقدّم مقابل الدم.
لكن في كل الظروف، هناك من يتحدى الجلادين، من يبقى صوته عاليًا رغم القيود. ومثال على ذلك، موقف السجين حسن النجار، الذي قال بجرأة تخرق جدران الصمت:
“طيب، أنتم يوميًا تسمّوننا خونة ومأجورين… فكيف تنقلون دم رجل خائن إلى جسد جندي في الجيش العراقي؟”
(ص 264)
في مثل تلك اللحظات، تلمع الكرامة وسط العتمة، ويتحوّل السجن إلى مسرح مقاومة صامتة.
ورغم القهر، يستمر السجناء في صنع لحظاتهم الصغيرة من الحياة. يحتفلون خفية بمناسبات مثل نوروز، ويستقبلون رأس السنة بأغانٍ يهمسون بها، لا يملكها إلا من صوته شجي، يملأ الزنزانة دفئًا للحظات.
في تلك المناسبات، البسيطة والمختلسة من بين فكي الموت، يتذكّر السجناء أنهم أحياء، وأن الفرح، وإن طال غيابه، ما زال ممكنًا… حتى لو كان بالصوت فقط.
المخدرات في السجن
من أقذر أساليب النظام آنذاك كانت إدخال المخدرات إلى السجون بطريقة مبرمجة ومدروسة، بهدف دفع بعض السجناء إلى الإدمان، ومن ثم استغلالهم كأدوات للتجسس على زملائهم. ورغم أنهم سجناء أيضًا، إلا أن من يفقد كرامته يتحول إلى أداة بيد الجلاد، يعمل كل شيء من أجل مصلحته، بلا وازع، بدوافع النفوس الدنيئة.
عفو شهر أيلول – 6/9/1988
بعد وقف الحرب العراقية–الإيرانية، صدر قرار بالعفو العام في السادس من أيلول 1988. يروي شيرزاد في مذكراته:
“بعد صدور القرار ولمدة ثلاثة أيام، كان قسم القلم والأضابير في سجن أبو غريب منشغلاً بتدقيق المعلومات وترتيب ملفات السجناء. قرئت أسماء أكثر من ألف سجين من سكان مدن كردستان، لكن اسمي لم يُذكر.”
من الصعب وصف حالة السجين الذي لا يُقرأ اسمه، خصوصًا بعد سنوات من التعذيب الجسدي والنفسي. يتبين لاحقًا أن العفو شمل الكرد من القومية فقط، مستثنيًا المسيحيين والزيديين!
وهنا تتجلى المفارقة القاسية التي عانينا منها حتى عام 1995:
حين يُصدر عفو يشمل العرب، يقولون لنا: “أنتم معتقلون على خلفية القضية الكردية، ولا يشملكم العفو.”
وحين يُصدر عفو يشمل الكرد، يقولون: “أنتم من القومية العربية، فلا يشملكم العفو!”
أي قانون هذا؟!(ص291)
نعم، يشمل الآشوري السجن والتعذيب والمؤبد، ويُجبر على الخدمة العسكرية، بل ويُستشهد في ساحات القتال… لكن حين يأتي العفو، يُستثنى!
في أي وطن يعيش المسيحيون؟ وأي مواطنة هذه التي لا تعترف بآلامهم ولا بدمائهم؟
“مناسبات الأعياد… كيف كنا نحلم!”
عندما تكون بعيدًا عن أهلك، وتأتي المناسبات والأعياد وأنت خلف قضبان الفاشية في سجون حزب البعث، يصبح للزمن طعم آخر… طعم العذاب الممزوج بالحنين.
رغم القهر والمعاناة، ورغم قسوة الجدران الباردة، كنا نحتفل بعيد رأس السنة وبغيره من المناسبات – أعيادنا الخاصة، وأعياد ميلاد الحزب. كنا نغني ونرسم الأمل في العتمة، نتبادل التهاني، نضيء ليل السجن بكلمات الحب والوفاء.
كانت لنا أمنيات بسيطة، لكنها عظيمة: أن نلتقي بأهلنا، أن نعانق أحبابنا، أن نخرج أحياء من قبضة الجلادين. نحلم بأن يحمل لنا العام الجديد شيئًا من الحرية… شيئًا من الحياة.
لكن السنين كانت تمضي، وتتلاشى معها أحلامنا. أدراج الرياح. وكان القدر، كما أرادوه لنا، يصرّ على أن يواجه تلك الأحلام بالمزيد من الذلّ والتعذيب.
ومع ذلك، لم تنكسر أرواحنا.
1990 عام الآلام والتعذيب
قرارات إدارة السجن آنذاك كانت صارمة حد القسوة: ممنوع على السجناء التجمع أو الجلوس جماعة، ولا يُسمح بالتحدث إلا لشخصين فقط في آنٍ واحد. أيُّ عنجهية هذه؟!
أي ظلمٍ هذا يُمارَس بحق إنسان محكوم عليه لسنوات طويلة، ومع ذلك يُحرَم من أبسط حقوقه: من الحديث، من المواساة، من الشعور بأنه ما زال جزءًا من بشر!
يبدو أنهم لو استطاعوا، لمنعوا عنا الهواء، وضيّقوا علينا حتى ظلّنا.
وصادروا كل ما يجعلنا بشرًا… حتى الشوق!
هكذا كانت سجون البعث… عنوانًا للمذلة، ومكانًا يئنّ فيه الإنسان لا من الجرح، بل من كسر الكرامة.
(وعن السجين الجديد بولا – هاوري بولا – يقول شيرزاد)
“كان محل احترام وتقدير أغلب نزلاء السجن، يتعاملون معه بمزيد من الاحترام. يخدم رفاقه دون تردد، شاب شجاع لا يهاب المخاطر” (ص308)
شهادة أوافق عليها تمامًا، وأنا من الذين عرفوا الرفيق بولا (رزكار عزيز) عن قرب، فقد جمعتنا سنوات الكفاح المسلح منذ صيف 1979 في مقر قيادة الحزب الشيوعي العراقي في ناوزانك (وادي الأحزاب).
ينتمي بولا إلى عائلة مناضلة من مدينة كركوك، قدّمت الكثير في سبيل القضية. وأذكر من بينهم شقيقه بروا (جمال عزيز)، الذي كان زميلي في الكلية العسكرية في عدن (اليمن الديمقراطية 1982–1984)، قبل أن يُستشهد في معركة ضد النظام على أطراف كركوك.
تم اعتقال بولا عام 1990 أثناء تنفيذه مهام حزبية، وبقي في السجن ثلاثة عشر عامًا حتى نال حريته في 2003.
________________________________________
حين انهار الجدار بين الجلاد والواشي
بعض البشر، حتى وهم خلف القضبان، لا يكفون عن الخيانة.
رغم أنهم أسرى مثلنا ومحكومون بأحكام ثقيلة، كان فيهم من يختار أن يكون عينَ الجلاد داخل الزنزانة، يوشي برفاقه مقابل رضا السجان، أو وعدٍ أجوفٍ بحفنة امتيازات.
وشاياتهم كانت سيوفًا علينا.
بسببها، جُررنا إلى أقبية التعذيب، وذقنا ما لا يُطاق من الألم النفسي والجسدي.
لم تكن الوشاية كلمة عابرة، بل خيانة تتنفس بيننا، تراقبنا، وتكتب تقاريرها عن كل همسة أو حتى تنهيدة.
شاءت الصدف، في أحد الأيام، أن نرى ما لم نكن نحلم برؤيته.
دخل إلى ساحة السجن ما بين عشرة إلى اثني عشر ضابطًا، ببدلات رسمية ورتب كبيرة، من جهاز المخابرات والأمن العام.
لكن المفاجأة كانت فيما حملوه معهم: المفوض شلال، والملازم أحمد، وعشرة آخرون من الجلادين، بأعين معصوبة وأيادٍ مغلولة بالسلاسل.
كانوا يُقادون كالأسرى… تمامًا كما قادونا من قبل.
وقف أحد الضباط، وأشار إليهم وقال:
“تِرة كل شي مو زين صار بيهم… والسبب؟ وشاية ذولة وأخلاقهم المنحطة… هذولة الكلاب!”
ثم تابع وهو يُسمّي ثلاثة أسماء:
علاء العاني، بخيت لازم، وصباح عبد.
كان وقع الأسماء كالسيف.
هؤلاء لم يكونوا من المخابرات، بل كانوا معنا في القاعة ذاتها… سجناء مثلنا.
أكلوا خبزنا، وتقاسموا وجعنا، وفي الوقت نفسه باعونا.
ذهب بعض الرفاق إلى النقيب “فلاح”، ضابط المخابرات المعروف بقسوته، وسألوه:
– “شنو راح تسوّون بعلاء العاني وشلّته؟”
ابتسم، وقال باللهجة العراقية الباردة:
“بكيفكم… أخذوا راحتكم وياهم.”
عدنا إلى القاعة، وأغلقنا الباب من الداخل.
لم يحتج الأمر إلى اتفاق ولا إلى ترتيب.
كأن السنين كلّها كانت تنتظر تلك اللحظة.
سنين من القهر، من الصبر، من الوجع، انفجرت دفعة واحدة فوق رؤوس الخونة.
لقد أفرغنا عذابات السنين عليهم ضربًا… على وجوههم، على أجسادهم، على أرواحهم التي فرّطت في شرف الرفقة.
لم يكن هناك بديل.
لا قضاء، لا إنصاف، لا جهة نلجأ لها.
كنا بحاجة إلى التنفّس… إلى التخفيف من الحِمل الذي نخر صدورنا بصمت.
ذلك اليوم لم يكن يوم انتصار.
بل كان يوم تفريغ.
تفريغ الحقد، والانكسار، والعجز المتراكم.
نعم، لم يكن البديل سوى التفريغ.
ربما لم نكن أنبل، لكننا كنّا بشراً، مكسورين، نحاول فقط أن نتنفّس… قليلًا… ثم نعود إلى صمت السجون. (صفحة 316-317)
وداعًا يا عذابات أبو غريب (2-10-1990)
بفضل الدكتور أميد مدحت مبارك، وزير الصحة والشؤون الاجتماعية آنذاك، قدّمت مجموعة من السجناء الكردستانيين مذكرة للمطالبة بنقلهم إلى سجون أقرب لمدنهم، ليتمكن ذووهم من زيارتهم، بعد سنوات من الانقطاع والتعب.
وبعد أسبوعين، جاء الخبر:
صاح أحد الحراس:
“من يرغب بالنقل إلى سجن بادوش في الموصل، فليتقدّم لتسجيل اسمه.”
تقدّمنا فورًا… أكثر من مئة وثمانية اسمًا من أبناء السليمانية وأربيل والموصل.
لحظة قصيرة من الفرح تسللت في دهاليز الحزن.
لحظة كُتب فيها الوداع…
وداعًا للقهر والعذاب.
وداعًا يا أبو غريب.
ميزة سجن بادوش
من نواحٍ كثيرة، كان سجن بادوش يُعد الأفضل مقارنةً بباقي السجون التي مررنا بها، مثل طوارئ جورباغ، ومديرية أمن السليمانية، وأبو غريب.
الحرّاس هناك كانوا مجموعة من الناس الطيبين، لا يزعجون السجناء، وهذه وحدها نعمة كبيرة في مثل تلك الظروف.
أما مدير السجن، فكان رجلاً معمّرًا ومحترمًا، يتعامل بوقار وإنسانية مع السجناء.
من الأمور التي كنا نفتقدها هي وجود كاميرا لتوثيق لحظة ما. وبعد بضعة أيام، جاء المصوّر إلى السجن، والتقط لنا صورًا تذكارية، وذلك في يوم 8 كانون الأول 1990.
بين وهم الحرية وخطة الهروب
في عام 1990، حين اجتاحت القوات العراقية الكويت، وما تلاها من أحداث جسام في 1991 – انتفاضة الجنوب، ومدن كردستان، وعاصفة الصحراء التي انطلقت بغاراتها الجوية في 17 كانون الثاني – دبّ فينا حلم قديم. راودتنا من جديد فكرة الحرية، وشعرنا أن المعاناة قد تقترب من نهايتها. داخل أسوار السجن، خيّم شعور بأن الزمن ينقلب، وربما آن الأوان للخلاص.
خططنا للهروب. رسمنا تفاصيلها بحذر، وقسّمنا الأدوار. لكن كما هي العادة في أماكن الظلمة، تسبقنا العيون المتربصة. علم مدير السجن بالخطة. انتظرنا العقاب، وربما الرصاص، لكن الرجل فاجأنا. لم يأمر بقتلنا، لم يفتح باب العنف. تصرّف بنبل غير متوقع. في عالم كنا نراه بلا رحمة، وقف هو استثناءً يستحق الاحترام.
ومع ذلك، فإن الجرأة لا تموت.
محمود خيلاني، رفيقنا في الزنزانة، ابتكر طريقته الخاصة للخلاص. لأسابيع، كان ينتف شعرة شعرة من وجهه – لحيته وشاربه – مستخدمًا ملقطًا صغيرًا، حتى اختفى كل أثر يمكن أن يدلّ على رجولته. وعند يوم الزيارة، ارتدى عباءة نسوية، تنكّر، ومشى بثقة بين الزائرات. اندسّ مع أسرته خارجه… ومضى، كما لو أنه امرأة عادية تزور قريبًا. لم يشعر به أحد. نجح، وترك لنا الحكاية شاهدة على ذكاءٍ لا يمنع. (343)
رغم ذلك حاول” بعض السجناء المحكوم عليهم بالأحكام الثقيلة الهروب ، إلا أن تم قتلهم جميعا وتم السيطرة على الوضع” (ص349)
لحظة التحوّل بعد 1991 – بين المفاوضات الرسمية والعدالة الشعبية
توقفت الذاكرة السياسية لكثير من المناضلين والناشطين، ومنهم من عايش تجربة السجون والنضال المسلح، عند مرحلة دقيقة عقب انتفاضة آذار 1991، وتحديدًا عند صفحة مفصلية لم تكتمل بعد: صفحة المفاوضات الثنائية بين رئاسة الجبهة الكردستانية والحكومة العراقية في بغداد.
هذه المفاوضات، التي لم يرد في الوثائق المتاحة ما يؤكد نجاحها أو فشلها بشكل قاطع، بقيت غامضة، ولم تُتوّج بأي اتفاق سياسي مُعلن. ما حدث فعليًا على الأرض هو أن منطقة الحظر الجوي الدولية التي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا شمال خط العرض 36، هي التي أمّنت عودة مئات الآلاف من النازحين والفارين إلى مناطقهم، وليس نتائج المفاوضات بحد ذاتها.
هذا الحظر الجوي هو الذي منح الإقليم شكلاً من الحماية الدولية المؤقتة، وهو ما جعل المناطق الكردية آمنة نسبيًا من قمع النظام. لم يكن ذلك بفعل انتصار ميداني كردي خالص، ولا باتفاق سياسي داخلي، بل نتاج ظرف دولي فرضته نهاية الحرب وتوازنات ما بعد اجتياح الكويت.
________________________________________
أجواء الحرية وتصفية رموز القمع
في الفترة التي أعقبت هذه التطورات، نقل زوّار من داخل كردستان أخبارًا عن أجواء من الحرية والانفتاح السياسي غير المسبوق، لكن أيضًا عن موجة من “العدالة الشعبية” أو الانتقام الثوري، استهدفت رموز النظام السابق من المخبرين والعملاء وأفراد الأمن، الذين تسبّبوا باعتقال وتعذيب وقتل العشرات، خاصة في مدن مثل السليمانية.
ومن بين القصص التي تناقلها الناس، كانت قصة تصفية العميل المتواطئ لطيف، المسؤول – حسب شهادات محلية – عن الإيقاع بعدد من المناضلين واعتقالهم وموت بعضهم تحت التعذيب. كانت تصفيته بالنسبة للكثيرين خبرًا “سارًا”، ليس بدافع الانتقام فقط، بل كنوع من رد الاعتبار الرمزي لضحايا سنوات القمع والوشاية.
ومع أن هذه الممارسات حملت بعض ملامح “العدالة الشعبية”، إلا أنها كشفت أيضًا عن غياب منظومة عدالة قانونية واضحة في تلك الفترة الانتقالية، حيث تم الخلط بين المحاسبة الثورية والانتقام الفوضوي.
استوقفتني عنوان ” ما من ليلة لا احلم فيه بكم “
نقد تركيبي بعنوان:
الكتب تمرّ في النص مثل الظلال… لكن بعضها يستحق أن يُضاء
في واحدة من أكثر صفحات كتاب شيرزاد قربًا للذات، يذكر مرور بعض الكتب في زنزانته، كمن يصف زيارة خفيفة لصديق قديم.
أحدها ديوان الشاعر عبد الله بشيو “ما من ليلة لا أحلم بكم”.
يقول إنه قرأه، استمتع به، وحفظ بعض أبياته.
لكننا لا نعرف ما الذي جذبه في الشعر، ولا كيف لامسته تلك الكلمات وهو في عزلة السجن — كأن الديوان مرّ في النص مثل ومضة، بلا صدى.
والأمر نفسه يتكرر حين يشير إلى كتاب “عشرة أيام هزت العالم” للصحفي الأمريكي جون ريد.
ذكره على عجل، دون أن يمنح القارئ فرصة تأمل أثر كتاب كهذا، ووقعه على عقل السجين، أو المقارنة بين الثورة هناك وبين ما حلم به السجناء هنا.
أما أنا، فقد قرأت “عشرة أيام هزت العالم” قبل أكثر من خمسة عقود، وكنت حينها في بدايات تشكّلي الفكري.
كان كتابًا يهزّ، لا العالم فحسب، بل وعي القارئ، لأنه لا يسرد ثورة من بعيد، بل يعيشها من قلب الشارع، الخندق، والهتاف.
شيرزاد كان قادرًا — في لحظة ما — أن يفتح للكتابين بابًا أوسع.
أن يجعل من الشعر والحدث السياسي نبضًا داخل النص، لا زينة خارجه.
لكن ربما كانت قيوده أكثر من قضبان، وربما اختار أن يحتفظ بما أثّر فيه… داخل القلب، لا بين السطور.
________________________________________
الحرب الأهلية في كردستان: اقتتال الإخوة… بعد التحرر!
رغم الحصار الدولي على العراق بعد حرب الخليج الثانية، ورغم العقوبات القاسية التي طالت الدولة العراقية برمتها، كان إقليم كردستان محاصرًا مرتين:
مرّة من الخارج، ومرّة من نظام البعث الفاشي الذي لم يرحم أبناءه حتى في لحظة انهياره.
وصل أثر الحصار حتى إلى السجون، فغابت أبسط مقومات الحياة، وانهار الوضع الصحي والنفسي، خصوصًا بالنسبة للسجناء الكرد الذين كانوا يحمِلون في دواخلهم أملاً بكردستان جديدة… خالية من الطغيان.
لكن ما حدث بعد ذلك كان الخذلان الأكبر.
فبدل أن تتوحد القوى الكردية بعد زوال قبضة الديكتاتورية عن رقابهم، انفجرت في الداخل حربٌ أهلية مريرة بين الحزبين الكبيرين.
اقتتال بين الإخوة، من أجل السلطة والنفوذ والمصالح، لا من أجل الإنسان الكردي.
إذا كان هذا يدل على شيء، فهو يُشير إلى قصور بنيوي في الوعي الذاتي والسياسي، وإلى إرث ثقيل من التفكير العشائري والقبلي، الذي لم تتم معالجته حتى داخل الأحزاب التي طالما رفعت شعار التحرر.
المفارقة القاسية:
الأحزاب التي قاتلت معًا لتحرير كردستان، تقاتلت فيما بينها لاحقًا على مناطق النفوذ!
فدفع الشعب الثمن مجددًا: هجرة، فقر، وطلب لجوء إلى أوروبا، لا بحثًا عن رفاهية… بل عن أمانٍ مفقود حتى بعد التحرر.
واليوم، بعد مرور عقود، ما زلنا نعاني من صراع داخلي مرير.
حتى تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة تعثّر، والاحتقان السياسي لم يُعالَج، بل تأصّل.
ويبقى السؤال المرّ:
إلى متى؟
إلى متى يبقى الشعب رهينة التاريخ، ورهينة زعامات متورطة في الأمس؟
ألم يحن الوقت لنفهم ان لا نصر في حرب الأخ على أخيه؟
نحو الحرية… في زمن المستحيل
بعد منتصف الليل، دُقّ باب الحلم.
دخل أحد السجانين، وهمس بصوت لم نعتده منه من قبل:
“أبشروا… المحكومون بالمادة 157 قد تم توقيع أوراقهم، وسيُطلق سراحهم.”
والمادة 157 لمن لا يعرف، لم تكن مجرد بند قانوني، بل كانت سيفًا مسلطًا على رقاب كل من حلم بوطن حر.
هي المادة التي سُجن بموجبها آلاف المناضلين، فقط لأنهم انتموا إلى حزب معارض، أو قالوا لا لحكم البعث.
في لحظة، تغيّرت رائحة الزنزانة.
الهواء ذاته بدا مختلفًا.
قدّمنا بعض الهدايا المتواضعة لذلك السجّان، لا حبًا فيه، بل شكرًا لنبوءةٍ كنّا نظن أنها لن تأتي أبدًا.
يقول شيرزاد:
“أعجز عن وصف تلك اللحظة…
ربما أنتم تستطيعون تخيّلها: شخصٌ قضى عشر سنوات من ربيع شبابه خلف القضبان، بين سياط التحقيق وصمت الجدران، ينتظر الآن بصوتٍ يرتجف لحظةً لا تتكرّر — لحظة إعلان اسمه.”
أجل…
إنها معجزة في زمن المستحيل.
في ظل نظام شمولي لا يعرف الرحمة، أن تُطلق سراحك، فهي ضربة حظ في طقسٍ لا يسقط فيه مطر.
وأنت من تقاسمني المصير، تُحاكم مرتين:
مرة لأنك وُلدت بهوية لا تُعجبهم، ومرة لأنك نطقت بما لا يريدون سماعه.
(وللعلم، أنا أيضًا عشت التجربة في أمن كركوك عام 1970، وأعرف جيدًا طعم الخوف حين لا يعود الزمن ملكك.)
ثم جاء صباح الخامس من آب 1995…
وأشرقت الشمس.
لكن هذه المرة، لم تكن شمسًا عادية، بل شمسًا تنادي بالأسماء.
كل من سُمع اسمه، كان عليه أن يركض — لا يمشي — إلى الباب الخارجي، كأن الحياة نفسها واقفة هناك، تنتظر من يجرؤ أن يلمسها من جديد.
خرجنا…
ولأول مرة، كنا نعرف معنى العبارة التي كتبناها كثيرًا على الجدران:
“نحو الحرية.”
________________________________________
فقرة الوفاء لذكرى رفاق شيرزاد
في الصفحات الأخيرة من مذكراته، يخصّص شيرزاد مساحة صادقة لذكر أسماء رفاقه — من استُشهد منهم، ومن بقي على قيد الحياة.
لم يكن ذلك مجرد توثيق، بل فعل وفاء نادر في زمنٍ تتراخى فيه الذاكرة وتبرد فيه المشاعر.
وأنا بدوري، أقولها بصدق:
كان شيرزاد وفيًا… صادقًا… مخلصًا للعِشرة، ولم ينسَ يومًا من تقاسموا معه الألم والخبز والقيد.
إنها ليست أسماء في قائمة، بل أرواح سكنت نصّه… وظلّت تنبض حتى آخر صفحة.
________________________________________
________________________________________
خاتمة
مذكرات شيرزاد ليست مجرد سرد لسنوات من الأسر والمعاناة، بل هي شهادة حية من زمن الخوف والمقاومة، حيث تتقاطع الذكرى الشخصية مع الذاكرة الجمعية لشعبٍ عانى الظلم من أكثر من جهة.
في كل فصل، هناك نبض إنساني، ومحاولة لفهم الذات وسط نظام لا يعترف بالإنسان أصلًا.
رغم بعض المساحات التي كان يمكن أن تُغنى بمزيد من التأمل أو التوثيق، إلا أن النص، في مجمله، يُحسَب له صدقه، وجرأته، واحتفاظه بندبة الحنين والألم معًا.
هذه ليست حكاية فرد فقط، بل صفحة من ذاكرة شعب… كُتبت بالحبر، ولكنها عاشت في الوجدان بدم القلب.






