أعلن معنا... أعلن معنا...
أدبثقافة وفنون

حب يحتضن التعب – مريم نزار الديراني

حب يحتضن التعب

خطوات متثاقلة يأخذها كل صباح نحو عمله؛ ثقلها ليس من التعب الجسدي وحده، بل من الاعتياد المرهق وتكرار الجهد ذاته يومًا بعد يوم.

في استراحته، وبينما يتناول غداءه المُعد في البيت بكل حب، باغته سؤال صامت وحيث مخيلته لا تكف عن الغوص في التساؤلات وعشق الفلسفة:

هل أنا متعب حقًا؟ أم أن التعب يتجسد لأنني لم أجد بعد وظيفة في تخصص التاريخ؟ هل هو جسدي الذي يئن تحت وطأة العمل الشاق؟ أم أن غياب الرضا هو ما يضاعف الشعور بالإرهاق؟ ولو كنت راضيًا، هل كنت سأشعر بالراحة ؟ أم أن التذمر والتعب حصيلة الإنسان في كل حال؟

قطع شروده صوت المسؤول الاستغلالي، الذي لم يتوقف عن التذمر والضغط لإجبارهم على الإسراع . أطفأ لحظة تأملاته، فحمل أدواته إلى مكانها، وعاد للعمل صامتًا.

حلّ المساء، وعاد إلى بيته. مشاعره خليط غريب بين فرح وحزن؛ فرح لأنه سيعود إلى مكانه الأحب إلى قلبه، وحزن لأن وظيفة أحلامه ما زالت بعيدة المنال. لم يكن يؤمن بالقدر ولا بالحظ المقسم بين البشر، بل كان يوقن أن سبب العثرات في حياة كل إنسان لها مسبب، وأن هذه الأزمة لا تخصه وحده… قال ذلك في نفسه ليهدأ قليلًا، وهو يعرف أنه صادق.

وصل إلى المنزل، فاستقبلته زوجته بابتسامة دافئة وذراعين مفتوحتين، كأنهما لم يلتقيا منذ أعوام. دوامها الجزئي لم يكن شاقا مثل عمل زوجها، فكانت تحظى ببعض الوقت للراحة واحتساء قهوتها قبل عودته. لم تكن ترى نفسها مجرد امرأة، بل كانت ترى نفسها مشروعاً وكياناً فعالا في المجتمع، كانت تعمل لأنها اجتهدت ودرست، كانت ترى أن على كل إنسان العمل لكي ينضج ويصبح أقوى، وتتعزز ثقته بنفسه. كانت امرأة تنظر الى الزواج على أنه شراكة، دعم وتعاون، وعلينا أن نتأقلم مع غلاء الحياة وصعوبتها من خلال المشاركة، وتعاون الأيدي داخل العائلة.

ما كان بينهما لم يكن فقط حبا، بل كان انسجاما وتوافقا فكرياً، لم تكن تشعر بالغربة معه، بل كانت تشعر أنهما في عالم واحد، ولا غيرهما فيه. بعد أن قبّلها برقة، غسل يديه وجلس معها ليتشاركا بعض الكعك المنزلي مع الشاي، على أنغام موسيقى كلاسيكية يعشقانها. كانت الساعة تشير الى الخامسة مساءً، هذا الوقت عندهما سحرٌ خاص، يلمّ شتات اليوم. جلسا يتحدثان بحماسة عن تفاصيل يومهما وخطط المساء، بين قراءة وفيلم وعشاء بسيط. يغازل جمالها هذا المساء وهي ترتدي اللون الأحب إلى قلبه، وشعرها منسدل عل ذراعيها. كان يخفي تعبه بمهارة كي يترك المجال للفرح والمرح لما تبقى من اليوم.

لكنها كانت تفهمه أكثر من أي شخص آخر، نظرت في عينيه وسألته:

ــ هل أنت بخير حقًا؟

ثم أردفت: “أنت تعلم أن الصلابة التي تتحلى بها هي في الخارج، أما هنا فعليك أن تشعر أنك جالس مع نفسك، لا تخبئ شيئا، أخرج ضعفك، كتمانك، همومك، وكل ما يزعجك ويجول في خاطرك. أنت تعلم كم أنا مغرمة بفكرك ونقاشاتنا الفكرية معا وبمدى قوتك وتميزك، وكم من طيب ونبل وذكاء تمتلك، ولكني أيضا أحب حقيقتك دون أي تجميل وصدقك معي.”

قاطعها قائلاً: “ومن غيرك أستطيع أن أكون على طبيعتي معه؟ أنت أغلى ما أملك، ومعك لا أخشى أن أظهر كل أفكاري وحتى جنوني.”

ثم أسلم رأسه إلى حضنها، ودموعه تنساب بلا مقاومة: “تعبت يا حبيبتي… تعبت من أن أعمل في غير مجالي، ومن ضغط المسؤول المستبد، ومن رؤية عمري يمر دون أن أصل للاستقرار الذي أطمح إليه. كل ما أريده وظيفة أليق بما درست وجهدت من أجله.

مررت يدها على شعره بحنو، ومسحت دموعه بهدوء، وهمست: “أنا واثقة أنك ستجد ما تستحق. لم يمض وقت طويل على شهادتك الثانية، وما زالت الفرص قادمة. غدًا سنبحث عن طرق جديدة، وسأكون معك، يا أيها الثلاثيني الوسيم”.

أردفت تكمل: أنا مدركة كم أنت متعب ومدركة كم من الشقاء تعاني، ولكن كلانا يعلم أن لا حل أفضل من أن نساير الحياة، ونمشي معها ظاهريا بينما نبحث عما يناسبنا؛ لأن الاستسلام لم يكن يوما حلا، ولكن في عقولنا وبيوتنا نستطيع أن نؤسس أفكارنا ووجهات نظرنا، أن نخلق القناعات، ونسعى لأن نرتقي ونتطور فكريا، أن نعيش الحب مع أحبائنا، ونعيش لذة اللحظات الجميلة، ولا نقتلها لأجل ما هو خارج عن إرادتنا، أن نمارس هواياتنا، أن نوازن في حياتنا ولا نضغط على أنفسنا أكثر مما نستطيع ولا ننسى بعض الراحة..

ابتسم رغم دموعه وقال: “إن المحبة هي الدواء الوحيد الذي يجعل قبح العالم محتمَلًا. ومعكِ أستطيع أن أواجه كل شيء”

نظر اليها وقال، أنت قوتي لذلك كل شيء سيكون على ما يرا.. م ..

غلبه النعاس وهو يتحدث فنام قبل أن ينهي جملته، ربما كان التعب ما نال منه أو حنانها كان منوّمًا سحريًا. ابتسمت وهي تتأمل وجهه، فوقع كلماته الأخيرة أعطاها طمأنينة عميقة. أسندت رأسها إلى كتفه، وأغلقت عينيها بدورها، مطمئنة أن الغد مهما حمل سيكون أهون حين يتقاسمانه معًا.

مريم نزار الديراني

مريم نزار الديراني

قاصة عراقية مقيمة في استراليا تكتب القصة القصيرة والقصيرة جدا باللغتين العربية والسريانية شاركت في العديد من الأماسي التي كانت تقام في لبنان - بيروت واستراليا - ملبورن نشرت العديد من قصصها في الصحف والمجلات والمواقع الألكترونية صدر لها مجموعة قصصية من الرابطة السريانية في بيروت عام 2019 بعنوان (بحار زرقاء وأعماق ملونة) أصدرت من دار منهل القراء مجموعتها القصصية الثانية (ضوء أزرق من آخر النفق) وأحتفلت بتوقيع الكتاب في ملبورن استراليا 2024
زر الذهاب إلى الأعلى