بين القانون والفتوى: جذور الازدواجية الأخلاقية في المجتمعات العربية
دكتور عامر ملوكا
بين القانون والفتوى تتكشف في المجتمعات العربية ازدواجية اخلاقية عميقة، ازدواجية تمتد جذورها الى تاريخ طويل من التفاعل بين الديني والسياسي، وبين ما يفرضه الواقع وما يمليه الضمير. فالقانون الذي تشكل مع الدولة الحديثة يستند في معظم انظمته الى مرجعيات اوروبية، بينما تبقى الفتوى مصدرا روحيا واجتماعيا يحظى بثقة الناس وتأثيره في حياتهم اليومية قد يتجاوز احيانا سلطة القانون نفسه. وهكذا يجد الفرد العربي نفسه واقفا بين نظامين: قانون يلزمه بالعقوبة وفتوى يبحث فيها عن الطمأنينة، وبين الاثنين تتسع مساحة التردد والحيرة.
هذه المفارقة تبدو اشد وضوحا في قضايا معاصرة تمس حياة الناس اليومية. فالقانون قد يجيز الفائدة البنكية، بينما ترى فتاوى واسعة الانتشار انها محرمة، ليعيش المواطن بين حاجته الى قرض يلبي متطلبات الحياة وبين شعوره بالذنب. وفي قوانين الاحوال الشخصية، قد تمنح التشريعات المدنية للمرأة حقوقا لا يعترف بها الخطاب الديني التقليدي، فتظهر فجوة بين النص القانوني والممارسة الواقعية. وفي بعض الدول، تُسن قوانين تمنع زواج القاصرات حماية لهن، لكن فتاوى تستند الى “الضرورة” تفتح باب الاستثناءات وتسمح بالتحايل، فيضيع جوهر الحماية الم قصد.
وفي مشاهد اخرى، نسمع مسؤولا يكرر خطابا عن النزاهة والشفافية، بينما يمارس المحسوبية والواسطة في التعيينات. مثل هذه النماذج ليست حالات فردية، بل هي صورة لاختلال العلاقة بين التدين الشكلي والالتزام الاخلاقي الحقيقي، حيث تغيب الممارسة التي تعكس القيم التي ينادي بها الناس.
ولا تنبع الازدواجية فقط من تعارض القوانين والفتاوى، بل من غياب الفكر النقدي الذي يساعد على اعادة قراءة الدين والاخلاق في ضوء حاجات الانسان المعاصر. وكما حاول سقراط تصحيح تشوهات الدين اليوناني عبر الفلسفة، يبدو ان الفكر النقدي غائب اليوم عن جزء كبير من العالم العربي. هذا الغياب يترك الباب مفتوحا امام ثقافة التقليد، وامام اخلاق هشة تتشكل بالعدوى الاجتماعية وموجات التواصل، حيث تنتشر السلبية واللامبالاة والانفعالية، ويُستهزأ بالسلوك الاخلاقي ويُنظر اليه كنوع من السذاجة.
ويزيد الامر تعقيدا فهم ديني مشوه يعتبر الانسان مسيرا بالكامل، فيمنح البعض مبررا للتقاعس، بل ولتبرير العنف اللفظي والمادي تجاه المختلف. فكم من خطاب كراهية مذهبي استند الى فتوى؟ وكم من مبادرات لحماية الطفل او المرأة واجهت معارضة باسم الدين؟ حتى القرارات الصحية البسيطة قد تُربط احيانا بفتاوى حائرة تجعل الناس يترددون بين العلم والشك.
وترافق هذه الحالة مفارقة نفسية يعيشها كثيرون: شعور بالتفوق الاخلاقي على الغرب من جهة، واعتراف ضمني بتقدمه العلمي والاداري من جهة اخرى. فيحمّل المرء الواقع كل المسؤولية، ويلتمس العزاء في فكرة الثواب الاخروي، ناسيا ان النصوص الدينية نفسها تربط التغيير بالعمل والسعي، وتذكّر الانسان بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
واذا كانت مجتمعاتنا تنتقد الغرب بالمادية، فان الواقع العربي يكشف اشكالا جديدة من المادية لم تعرفها المنطقة من قبل، حيث تقاس العلاقات بالمصالح والغرائز لا بالقيم، وتغلب العصبية والانفعال على صوت العقل. ولعل قول سقراط بان “الفجور يأتي من الجهل” لا يزال صالحا لتوصيف حالة يختلط فيها ضعف التعليم بضعف الوعي الاخلاقي.
وعلى الضفة الاخرى، يبني الغرب اخلاقه العامة على القانون بوصفه مرجعية عليا تحكم الجميع دون استثناء. انها صيغة تعاقد اجتماعي واضحة: يتنازل الفرد عن جزء من حريته مقابل ضمان حقوقه الاخرى. ومن خلال هذا النظام تنشأ قيم الحياة اليومية كالالتزام واحترام الوقت وصدق التعامل، لا بوصفها نتائج وعظ، بل بوصفها ثمرة نظام منضبط. ولهذا يقف كثير من المهاجرين العرب مذهولين امام بساطة العدالة هناك: قانون يطبق على الجميع، حقوق تُسترد بالقضاء، ونظام يجعل الحياة اكثر قابلية للتوقع والانضباط.
هذه الازدواجية الاخلاقية هي التي ترسم في كثير من الاحيان صورة العالم عن مجتمعاتنا، وهي التي تجعلنا نعيش توترا مزمنا بين الحاجة الى منجزات الحضارة الغربية وبين رفض جزء منها، او الشعور بانها “غريبة” عن ثقافتنا. فالنهضة هناك لم تُبن فقط على التطور العلمي، بل على منظومة قيم تربوية وفكرية اسست لها.
ازمتنا الاخلاقية ليست ازمة قيم فحسب، بل ازمة فكر ينتج قيما مشوهة، فتعود تلك القيم لتنتج فكرا مغلقا، وتستمر الدائرة حتى تتهدم البنية الحضارية ذاتها. من هنا يبرز السؤال: هل نحتاج الى استرجاع الاخلاق القديمة ام الى تطوير منظومة جديدة؟
الجواب ان الاخلاق قابلة للتجديد، شريطة ان تبقى انسانية وعقلانية، وان تنطلق من احترام كرامة الانسان لا من الخرافة او الانفعال. وبداية الاصلاح هي الذات: ان يطالب كل منا نفسه اولا بما يطالب به الاخرين، وان يفهم ان الشعوب لا الحكومات وحدها هي التي تصنع الحضارة.
وقد لخص احمد شوقي هذه الحقيقة ببيت خالد ظل يتردد رغم تغير الازمان:
انما الامم الاخلاق ما بقيت
فان همُ ذهبت اخلاقهم ذهبوا
نشر هذا المقال في مجلة دومارا في عددها السابع الصادرة من خورنة مريم العذراء حافظة الزروع في ملبورن – كانون الأول 2025






