احتجاجات إيران.. تصاعد الغضب في الشارع بين أزمة الداخل وضغوط الخارج

وكالات – الرافدين نيوز
يشهد المشهد الإيراني في مطلع عام 2026 واحدة من أعقد مراحله منذ عقود، حيث تتداخل الاحتجاجات الداخلية الواسعة مع ضغوط اقتصادية خانقة وتوترات إقليمية ودولية متصاعدة. هذا التداخل بين الداخل والخارج يجعل قراءة الوضع الإيراني الراهن عملية حساسة تتطلب قدراً كبيراً من الحذر والاعتماد على روايات متعددة ومتباينة التوجهات.
خلفية موجة الاحتجاجات الحالية
اندلعت الاحتجاجات الأخيرة في نهاية 2025 وتجدّدت بقوة مطلع 2026 في طهران وعدد كبير من المدن، في سياق تراكم طويل للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وتأتي هذه الموجة امتداداً لسلسلة من الاحتجاجات السابقة خلال الأعوام الماضية، لكنها تبدو أوسع جغرافياً وأكثر حدّة من حيث حجم المشاركة وشكل المواجهة في بعض المحافظات.
يركّز المحتجون على قضايا الغلاء وتدهور قيمة العملة والبطالة، إلى جانب مطالب مرتبطة بالحريات العامة والحقوق المدنية. كما تبرز أسئلة حول دور المؤسسات الدينية في الحياة السياسية وكيفية توزيع السلطة والثروة، مع حضور لافت لدور الشباب والنساء في المشهد الاحتجاجي، خصوصاً في المدن الكبرى ومناطق الأطراف.
الأوضاع الميدانية وتضارب الروايات
تشير المعطيات المتداولة إلى أن نطاق الاحتجاجات تجاوز طهران ليشمل عشرات المدن في مختلف الأقاليم، مع اشتداد حدّة المواجهات في بعض مناطق الغرب والأطراف حيث تتركز أقليات قومية ومناطق مهمّشة اقتصادياً. ومع ذلك، تختلف تقديرات حجم المشاركة وعدد الضحايا من جهة إلى أخرى، إذ تقدم جهات حقوقية وإعلامية أرقاماً أعلى بكثير مما تقرّ به السلطات.
تتحدث روايات عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى واستخدام الذخيرة الحية في عدد من المدن، مقابل رواية رسمية تعترف بسقوط ضحايا لكنها تصف جزءاً من التظاهرات بأنها «أعمال شغب» وتلمّح إلى وجود «مجموعات مسلحة» استهدفت قوات الأمن ومؤسسات الدولة. أحد العوامل الأساسية التي تعقّد التحقق المستقل من الوقائع هو اللجوء المتكرر إلى قطع أو تقييد خدمات الإنترنت والاتصالات، ما يحدّ من قدرة الصحافة والمنظمات المستقلة على تكوين صورة دقيقة عما يحدث على الأرض.
الاقتصاد والعقوبات كخلفية ضاغطة
تأتي هذه التطورات على خلفية تدهور اقتصادي ممتد، ارتبط بالعقوبات من جهة، وبمشكلات هيكلية داخلية من جهة أخرى. تعاني البلاد من تضخم مرتفع، وضعف في القدرة الشرائية، وصعوبات معيشية تطاول شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما الطبقة المتوسطة والفئات ذات الدخل المحدود.
الخطاب الرسمي يربط جانباً كبيراً من الأزمة بالعقوبات التي استهدفت قطاعات حيوية مثل النفط والمصارف، ويقدّم هذه السياسة باعتبارها محاولة خارجية للضغط على الدولة والمجتمع. في المقابل، يشير منتقدون في الداخل والخارج إلى دور سوء الإدارة والفساد وضعف الشفافية وتغليب الاعتبارات الأمنية والسياسية على الإصلاح الاقتصادي في تعميق حالة التدهور.
البعد الإقليمي والدولي
يظل الملف النووي أحد أهم عناصر التوتر بين إيران وعدد من القوى الغربية، مع استمرار الشكوك المتبادلة والتهديدات السياسية والإعلامية. تؤكد القيادة الإيرانية أن برنامجها ذو أهداف سلمية وأن أي تغيير جوهري فيه مرتبط برفع العقوبات وتقديم ضمانات اقتصادية حقيقية، بينما ترى أطراف أخرى أنه يمثل تحدياً أمنياً يتوجب احتواؤه.
على المستوى الإقليمي، يرتبط الوضع الداخلي الإيراني بدور طهران في ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن، إضافة إلى علاقاتها مع قوى دولية فاعلة. بعض الأطراف الإقليمية والدولية تعتبر هذا الدور عاملاً لزيادة التوتر وعدم الاستقرار، في حين تقدمه إيران باعتباره جزءاً من استراتيجية دفاعية تهدف إلى حماية أمنها القومي وردع خصومها.
الرواية الرسمية والروايات البديلة
تؤكد القيادة الإيرانية أن مؤسسات الدولة متماسكة وأن الأجهزة الأمنية قادرة على احتواء الاضطرابات، وتتهم خصوماً خارجيين بمحاولة استثمار الاحتجاجات لزعزعة النظام. في خطابها الرسمي، تركز الدولة على فكرة أن الاحتجاجات – رغم وجود مطالب قابلة للنقاش – استغلتها «جهات معادية» تستهدف استقلال البلاد وبنيتها السياسية.
في المقابل، تصف المعارضة في الخارج وناشطون ومنظمات حقوقية ما يجري بأنه تعبير عن أزمة ثقة عميقة بين قطاعات واسعة من المجتمع والسلطة، وتتحدث عن استخدام مفرط للقوة واعتقالات واسعة وقيود شديدة على الفضاءين الإعلامي والرقمي. وبين هذه الروايات المتضاربة، تحاول وسائل إعلام ومنصات بحثية رسم صورة أكثر توازناً، لكنها بدورها لا تنفصل تماماً عن الخلفيات السياسية والزاوية التي تقترب منها من الملف الإيراني.
هذا التعدد في السرديات يفرض على المتلقي، وخصوصاً القارئ العربي، التعامل بعين نقدية مع المادة المتاحة، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والشهادات الفردية والتقديرات المبنية على مواقف سياسية مسبقة. كما يبرز أهمية التفريق بين ما هو واقع ميداني ثابت نسبياً، مثل وجود قتلى وجرحى واعتقالات وقيود على الاتصالات، وبين أرقام أو ادعاءات ما زالت محل نقاش ولم تحسمها جهات مستقلة متفق على مهنيتها.
سيناريوهات مفتوحة ومستقبل غير محسوم
تتباين التقديرات بشأن مآلات الوضع بين من يرى أن الدولة ستنجح، كما في جولات سابقة، في احتواء موجة الاحتجاجات عبر مزيج من الإجراءات الأمنية ومحاولات التهدئة، وبين من يعتقد أن مستوى الاحتقان تجاوز نقطة العودة إلى ما كان عليه قبل 2025. عوامل عديدة ستؤثر في المسار المقبل، من بينها قدرة السلطة على تقديم إصلاحات ملموسة، ومدى قدرة القوى الاحتجاجية على تنظيم نفسها، وشدة الضغوط الاقتصادية، إضافة إلى أدوار القوى الإقليمية والدولية.
في جميع الأحوال، يبدو أن المجتمع الإيراني يمرّ بمرحلة إعادة طرح جذرية لأسئلة العلاقة بين الدولة والمجتمع والدين والسياسة والاقتصاد، في ظل جيل شاب أكثر اتصالاً بالعالم وأقل استعداداً للتعايش مع الأوضاع القائمة من دون مساءلة. ويبقى التحدي الرئيسي أمام جميع الفاعلين هو تجنب الانزلاق إلى دورات أعنف من المواجهة، وفتح مسارات تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط، بما يتيح قدراً أكبر من الاستقرار والعدالة داخل إيران.






