أعلن معنا... أعلن معنا...
دكتور فالح فرنسيس

أوراق طبية رياضية – الرياضة هي لعب أم علم؟

د. فالح فرنسيس

الرياضة .. هل هي لعب ام علم ؟

تعودنا انا ومجموعة من الاصدقاء المثقفين هنا في ملبورن ان نلتقي صباح كل يوم سبت في قاعة تابعة لاحدى المراكز الاجتماعية التابعة للبلدية في منطقتنا السكنية، لمناقشة احدى المواضيع الاجتماعية او السياسية او الحياتية العامة التي تمر علينا او نقابلها في حياتنا.. وبعد نقاش طويل عن الرياضة وفوائدها ومساوئها، وهل هي لعب وترويح وركض غير مجدي وراء الكرة، ام هي علم او مجموعة من العلوم تبين قيمة وقوة الانسان وتحديه للطبيعة ولهذه الحياة الصعبة! اقول بعد هذا النقاش طلب مني اصدقائي ان اتحدث بمحاضرة مختصرة عن الرياضة، فكانت تلك المحاضرة التي استخلصت منها مقالي لهذا اليوم، ولينشر كأول حلقة من “أوراق طبية رياضية” في جريدتنا المحبوبة “الرياضي” وهي تخطو خطواتها الاولى في السنة الرابعة بعد المائة من عمر الصحافة الرياضية العراقية.

 تُعرف الرياضة كونها: نشاط بدني ومهاري ينفذه شخص او مجموعة اشخاص (فريق) ضد البعض لغرض الترويح او المسابقة والتنافس.

ويتميز الشخص الرياضي عادةً كونه ذو شخصية منفتحة بسيطة ترافقه السعادة، وذو ردود فعل ايجابية في حالات الخسارة كما هي عند الفوز، كما انه عادةً يتقبل الضغوط الصعبة سواءً في الرياضة او في الحياة بروح سلسة هادئة. وتيمناً بهذه الشخصية المنشرحة يُطلب من الشخص العصبي التحلي “بالروح الرياضية”.

هناك ثلاثة انواع رئيسة من الرياضات هي:

  1. الرياضة الترويحية: وهي الرياضة التي يمارسها الاشخاص لغرض التنشيط البدني العام مثل المشي والهرولة والسباحة والدراجات والمسابقات الترويحية.
  2. رياضة المسابقات: وتشتمل على:
  3. رياضة الهواة مثل الالعاب الاولمبية والالعاب البارالمبية.
  4. رياضة المحترفين مثل بطولات كرة القدم والملاكمة للمحترفين.
  5. الرياضة العلاجية او ما تسمى بالرياضة العلاجية او التأهيل العلاجي.

اما اهم الفوائد المستقاة من الممارسة الرياضية فهي:

  • الفوائد الاجتماعية: مثل التعرف على الاصدقاء وقضاء الوقت مع العائلة وتنظيم الوقت والتواصل والعمل الجماعي.
  • الفوائد الصحية: مثل النشاط البدني العام وتقوية العظام وتحسين اللياقة البدنية العامة والخاصة كالتوافق العصبي العضلي والمرونة والقوة والسرعة.
  • الفوائد النفسية: مثل الاستقرار النفسي وتحسين المزاج والابتعاد عن الكآبة، بالاضافة الى تنظيم الوقت وتقوية الشخصية والالتزام بالاخلاق والمُثُل.
  • الفوائد المادية: وتتجلى بوضوح في رياضة المحترفين، وما نلاحظه اليوم في الارقام الخيالية لعقود اللاعبين والمدربين المحترفين في رياضات كرة القدم والتنس وكرة السلة وغيرها.

في مقال علمي تم نشره في مجلة العلوم والطب في الرياضة الصادرة من الاتحاد الاسترالي للطب الرياضي، يتحدث عن العلوم المرتبطة بعلم التدريب في رياضة المستويات العليا، حيث يدرج العلوم التالية: علم الإدارة والتخطيط، علوم الرياضيات والفيزياء، علم الإحصاء، علوم التكنولوجيا والكومبيوتر، علم التشريح، علم الحركة والبيوميكانيك، علم الفسلجة والفسلجة الرياضية، علم النفس، علم الأدوية، علوم الكيمياء والكيمياء الحيوية، علوم الانثروبومتري والمورفولوجي (القياسات الجسمية)، علم البيولوجي، علم التغذية، واخيراً علوم الطب الرياضي.

ولكي نكون اكثر دقة واكثر تفصيلاً لابد لنا ان نبين بأن الكوادر التدريبية لم تكن لتستطيع النجاح والوصول الى اعلى المستويات الرياضية والارقام القياسية الاعجازية التي حققها ويحققها الابطال الدوليين لولا العمل المشترك مع الاختصاصيين العاملين في المجالات المختلفة لعلوم الطب الرياضي والتي تشمل ما يلي:

  1. الاشراف الطبي العام: ويشمل الفحوصات والاختبارات الأولية والدورية، اختبارات اللياقة البدنية، الاشراف النفسي والاشراف الغذائي.
  2. الطب الرياضي الوقائي والعلاجي: ويشتمل على الخدمات والاساليب الطبية المستعملة لتقليل نسبة حدوث الامراض والاصابات الرياضية وشدتها، بالاضافة الى العلاجات التحفظية الدوائية والطبيعية والتأهيلية، وكذلك العلاج الجراحي لإصابات الرياضيين.
  3. السيطرة على ومنع تناول المنشطات: وتشمل على المحاضرات التثقيفية للرياضيين بانواع المنشطات ومضارها، بالاضافة الى اجراء فحوصات المنشطات للرياضيين خلال المعسكرات التدريبية للمنتخبات الوطنية (ما يسمى بالفحوصات خارج البطولات والمسابقات)، كذلك اجراء فحص المنشطات خلال البطولات الوطنية (الداخلية) والدولية (الخارجية).

وكإثبات لاهمية العلوم الطبية في تطوير الرياضي البطل ووقايته من الاصابات وعلاج هذه الاصابات عند حدوثها بهدف اعادة الرياضي المصاب الى الملاعب والتدريب بأقصر فترة ممكنة، بينّا للحضور ما هي الاختصاصات الطبية الاثني عشر العاملة مع المنتخبات الوطنية الاسترالية ابتداءً من الممرضين المتخصصين، الى المدلكين والمعالجين الطبيعيين واختصاصيي التأهيل الرياضي، الى اختصاصيي الفسلجة الرياضية والبيوميكانيك، واختصاصيي التغذية وعلم النفس الرياضي، وانتهاءً بالطبيب الرياضي واختصاصي الكسور والاصابات الرياضية.

بعد كل هذه التفاصيل التي تبين ارتباط الممارسة الرياضية، وعلى الخصوص رياضة المستويات العليا بالعلوم المختلفة واهمية هذا الترابط العلمي في الوصول الى القمة والحصول على الميداليات الأولمبية الملونة وتحقيق الانجازات والبطولات العالمية، عرضنا على الحضور فيلماً فيديوياً للبطل السويدي – الامريكي أرماندو دوبلانتيس صاحب الرقم العالمي بالقفز بالعصا 6.30 متر والذي سجله في بطولة العالم الاخيرة للساحة والميدان التي جرت في طوكيو هذا العام 2025. الفيديو يبين التركيز والسرعة والقوة والتكنيك العالي الذي وصل اليه هذا البطل ليحقق هذا الرقم الاعجازي.

وهكذا وبالدليل القاطع وصلنا الى نهاية هذه المحاضرة المختصرة التي اقتنع جميع الحضور بعد سماعها بان الرياضة لم تعد نشاطاً بدنياً اعتيادياً بل هي علم واسع او بالأحرى هي مجموعة من العلوم تخدم  الانسان للوصول قدر الامكان الى القمة، وليس الكمال .. فالكمال لله وحده.

د. فالح فرنسيس

طبيب اختصاصي بجراحة الكسور والاصابات الرياضية. نائب رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية وأمين عام اتحاد الطب الرياضي العراقي (سابقاً). الطبيب المرافق للمنتخبات العراقية بكرة القدم والالعاب الأخرى خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. كاتب في العديد من المجلات والصحف في ملبورن والعراق في مجالات علوم الطب الرياضي.
زر الذهاب إلى الأعلى